انتقل إلى المحتوى
غلاف نظرية الجوهر الفرد

مكتبة الجوهر الفرد · اقرأ الكتاب

نظرية الجوهر الفرد

مفهوم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي للزمن والخلق في ستة أيام

د. محمد علي حاج يوسف

مفهوم الآنيّة

رأينا في الفصل الأوّل أنّ العديد من النظريّات الكلاسيكية اعتبرت الزّمن كمّيّة مطلقة، وهذا تَوافقَ بشكلٍ جيّدٍ مع المفهوم العامّ للآنيّة (simultaneity) حيث إنّنا نرى الأحداث التي تحدث بشكل آني، أي في نفس الوقت، في مرجع إسنادٍ واحدٍ تُعتبر أنها تحدث بشكل آني أيضاً في كلّ المراجع الأخرى. ومع تطوّر النظريّة النسبيّة الخاصّة وتبلور حقيقة أنّ الضوء يسير بسرعةٍ محدودة وثابتةٍ في كلّ الاتجاهات وفي جميع مراجع الإسناد كان لا بدّ من إعادة النظر في مفهوم الآنيّة إذ بدا من الواضح أنّه طبقاً لهذه النظريّة الجديدة فإنّ الأحداث التي تكون آنيّةً في مرجع إسنادٍ معيّنٍ قد لا تكون آنيّةً في مرجع إسنادٍ آخر وخاصّة عندما يتحرّك هذا المرجع بسرعةٍ عاليةٍ بالنسبة للمرجع الأوّل.

ولكن وفقاً لمفهوم ابن العربي للزّمن ونموذج الجوهر الفرد في خلق الكون الذي وصفناه أعلاه، فإنّ مفهوم الآنيّة سيكون له خاصيّة نسبيّة أخرى أعمق من تلك التي تصفه بها نظريّة النسبيّة. ففيما يتعلّق بنا كأشخاصٍ أو كائناتٍ جزئيّة في هذا العالَم يمكن أن نصادف عدّة أحداث آنيّة تحدث في نفس الوقت لأنّنا بكلّ بساطة لا نكون في الوجود حينما يخلق الجوهر الفرد جميع الكائنات فيه، بل نكون موجودين فقط لحظةَ ظهور الجوهر الفرد بصورتنا؛ وهذا يعني أنّنا نوجد في الحقيقة فقط لحظةً واحدةً من كلّ أسبوع أصلي كما أشرنا إلى ذلك مراراً من قبل وشرحناه بالتفصيل في نهاية الفصل الثالث وكذلك في الفصل الرابع. هذا يعني أنّ جميع الأحداث التي يخلقها الجوهر الفرد في أسبوع تُعتبر بالنسبة لنا أنّها أحداثٌ آنيّة لأنّها حدثت في لحظةٍ واحدةٍ في نفس الوقت بالنسبة لنا. ولكن طبقاً لمبدأ إعادة الخلق ووحدة الوجود التي ناقشناها في الفصل الخامس، بالإضافة إلى مفهوم يوم الشأن الذي ناقشناه في الفصل الثّاني، فبالنسبة للجوهر الفرد الذي يقوم بخلق العالَم وفق التدفّق الفعلي للزمن الذي ناقشناه في الفصل الرابع فليس هناك حدثان يحدثان في نفس الوقت وذلك نتيجة مباشرة للمقولة الفلسفية التي تحدّثنا عنها في الفصل الخامس أنّه لا يصدر عن الواحد إلا واحد، وكذلك قول الله تعالى في سورة الرَّحمن: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)﴾ حيث إنّ اليوم بالنسبة لنا هو لحظة واحدة؛ ففي كلّ وقت هناك حدَثٌ واحدٌ، فليس هناك حدثان يمكن أن يحدُثا في نفس الوقت من الزّمن الفعلي.

وسوف نرى مع نهاية هذا الفصل أهميّة مثل هذه النتيجة لأنّها المفتاح لحلّ معضلة إي بي آر التي تُظهر التناقض بين نظريّة النسبيّة ونظريّة ميكانيكا الكم. ولكن قبل ذلك سنناقش متناقضات زينون في الحركة.

كتب أخرى للقراءة