الحجر الأسود والكعبة المشرّفة
وهو المثال الأكثر أهميّة بالنسبة لعموم المسلمين وينطبق على واحد من أهم الشعائر الإسلامية وهو الكعبة الشريفة والحجر الأسود؛ بيت الله الحرام الذي يحج إليه ملايين المسلمين كلّ سنة. فيشبّه ابن العربي هؤلاء الذين يطوفون حول الكعبة بالملائكة الذين يحفون حول العرش،[558] إضافة إلى أنّ الملائكة الأربعة الرئيسيين (جبرائيل، إسرافيل، ميكائيل، عزرائيل) تمثّل القوى الأربعة الرئيسية في الطبيعة وتتعلّق بالزوايا الأربعة للكعبة الشريفة، كما سنفصّل في آخر الفصل السابع والأخير.
ولكنّ رمزيّة الكعبة الشريفة تحتلّ مكانة أعمق من ذلك بكثير حيث إنّ ابن العربي بدأ الباب الأوّل من الفتوحات المكية بذكر لقائه بالروح الذي أخذ منه كلّ ما سطّره في هذا الكتاب وهو الروح الذي اجتمع به أثناء طوافه حول الكعبة الشريفة. ففي هذا الباب الأوّل يذكر ابن العربي مغزى كلّ شوط من الأشواط السبعة في الطواف حول الكعبة وعلاقته بالصفات الإلهية السبع الأمّهات والتي ذكرناها من قبل في الفصل الثالث وقلنا إنّها المبدأ الأساسي وراء الأيّام السبعة في الأسبوع الأصلي من الخلق، ثمّ يقول الشيخ محي الدين إنّ الكعبة بالنسبة إلى العرش المحيط مثل القلب بالنسبة إلى الجسم؛[559] لذلك فإنّ حقيقة الكعبة على الأرض مثل الجوهر الفرد في الكون لأنّ الجوهر الفرد مثل القلب في الجسم، فهو قلب العالَم. فهذا التناظر ينطبق أيضاً على العديد من التفاصيل لأنّ الشكل المكعّب للكعبة أبسط شكل في الأجسام يشمل الأبعاد المكانية الثلاثة، فكما ذكر ابن العربي إنّ الجسم متكوّن على الأقل من ثمان نقاط،[560] تقابل زوايا المكعب.
بالإضافة إلى ذلك فإنّ ما يثير الاهتمام كثيراً عند ابن العربي في الكعبة الشريفة هو الحجر الأسود الموجود في الركن الشرقي للكعبة والذي نزل به جبريل من الجنة وأعطاه لإبراهيم عليه السلام ليضعه في ذلك الركن. بالنسبة لابن العربي، يمثّل هذا الحجر الأسود الحجر الأساس في بناء الكعبة وذلك بنفس طريقة العنصر الأعظم بالنسبة للجوهر الفرد. فكما أنّ الطواف حول الكعبة يبدأ من الركن الشرقي الذي فيه الحجر الأسود حتى يكمل الحاجّ سبع دورات (بعكس عقارب الساعة)، كذلك يشكّل العنصر الأعظم الجوهر الفرد الذي هو اللبنة الأساسية في العالَم في سبعة أيّام من الأيّام الإلهية السبع.
من جهة أخرى فقد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلّم أنّ الحجر الأسود يمين الله في الأرض بها يصافح عباده،[561] فهذا يعني أنّ هذا الحجر يرمز للحقّ المخلوق به وهو أوّل شيء خلقه الحقّ تعالى، وكذلك من أسمائه الحقيقة المحمّديّة أو النور المحمّدي الذي وردت بعض الأحاديث أنّه أوّل ما خلق الله تعالى،[562] وقد قال ابن العربي في الفتوحات المكيّة في الباب السادس "في معرفة بدء الخلق الروحاني ومن هو أوّل موجود فيه: "إنّ بدء الخلق الهباء وأوّل موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية ولا أين يحصرهلعدم التحيّز وهذه الحقيقة وُجدت من الحقيقة المعلومة التي لا تتّصف بالوجود ولا بالعدم". ثم قال إنّه من هذه الحقيقة وُجد العالَم بوساطة الحقّ تعالى وهي ليست بموجودة فيكون الحقّ قد أوجدنا من موجود قديم فيثبت لنا القدم، وهذه الحقيقة لا تتّصف بالتقدم على العالَم ولا العالَم بالتأخّر عنها ولكنّها أصل الموجودات عموماً وهي أصل الجوهر وفلك الحياة والحقّ المخلوق به وغير ذلك، وهي الفلك المحيط المعقول.[563]
وهكذا، في بداية الباب الأوّل من الفتوحات المكية، عندما يبدأ ابن العربي الكلام حول حقيقة العنصر الأعظم الذي يتمثّل بالحجر الأسود الذي هو بمثابة يمين الله في الأرض، يقول شعراً:
|
جُهلت ذاته فقيل كثيف |
عند قوم وعند قوم لطيف |
ثم يستمرّ ابن العربي في هذه الصفحات الافتتاحية للفتوحات المكيّة بإعطاء العديد من التفاصيل الرمزية الغامضة حول ما يخلقه الله في الإنسان (أي في الجوهر الفرد أو العقل الأوّل) وفي العالَم في كلّ دورة من دورات الطواف السبعة حول الكعبة المشرّفة، ولكن ليس بمقدورنا هنا في هذا الكتاب الخوض في هذه الأمور الغيبيّة التي يربطها ابن العربي بالصفات السبع الأمّهات كما ذكرنا أعلاه.[565]
الشكل 3: صورة الكعبة والمسلمون يطوفون حولها من ضمن شعائر الحج والعمرة،
ويبدو الحجر الأسود في الزاوية الأمامية، قرب الباب.
ولتوضيح ما ذكرناه في هذه الفقرة يمكن أن نرسم المخطط التمثيلي في الشكل رقم 4 أدناه، حيث يبدو العنصر الأعظم (مثل الحجر الأسود) وبطوافه سبعة أدوار يشكّل الجوهر الفرد (وهو بمثابة الكعبة المشرّفة).
الشكل 4: تشبيه الطواف حول الكعبة بآلية خلق العنصر الأعظم للجوهر الفرد.
[559] الفتوحات المكية: ج1ص50س29.
[560] الفتوحات المكية: ج3ص276س4.
[561] كنز العمال: حديث رقم 34729.
[562] كنز العمال: حديث رقم 31917.
[563] الفتوحات المكية: ج1ص119س10.
[564] الفتوحات المكية: ج1ص47س22.
[565] الفتوحات المكية: ج1ص49س32.


