الزّمن في الفلسفة الإغريقية
كانت الكلمة اليونانية كرونوس (chronos) تُستعمل للإشارة إلى الزّمن منذ عهد هوميروس، حيث كان (Chronos) إلها يونانيا يخاف من أبنائه أن يُسيطروا على مملكته، لذلك كان يأكلهم واحداً بعد الآخر، مثل الزّمن الذي يجلبُ الأشياء إلى الوجود ثم يرمي بها إلى الماضي.
كما هو الحال في الفلسفات القديمة عموماً فإنّنا يُمكنُ أن نفرّق بين وجهتي نظرٍ متعارضتين حول مفهوم الزّمن في الفلسفة الإغريقية؛ الأولى تبنّاها أفلاطون وأتباعه والثانية تبناها أرسطو وأتباعه. يعدّ أفلاطون الزّمن مخلوقاً مع العالَم، بينما يعتقدُ أرسطو بأنّ العالَم خُلق في الزّمن الذي كان موجوداَ بشكل لا نهائي في القدم. فيقول أفلاطون أن الزّمن جاء إلى الوجود سوية مع العالَم، حتى يمكن أن يفنى معه كما خُلق معه.[55] في حين أن أرسطو كان يعتقد أن رؤية أفلاطون هذه تستدعي وجود نقطة من الزّمن كانت بدايةً للزمن وليس لها زمنٌ قبلها، الأمر الذي لم يتقبّله أرسطو حيث تبنّى فكرة ديموقريطس للزمن غير المخلُوق، فيقُولُ:
إذا كان الزّمن حركة أبديّة فيجبُ أيضاً أن تكُون الحركة أبديّة، لأن الزّمن هو عدد الحركة. والكُلّ يؤكدون خلود الزّمن، ما عدا أفلاطون. ولكنّ الزّمن لا يُمكنُ أن يكون له حدّ (بداية أو نهاية) لأن هذا الحدّ هو لحظة، وأيّ لحظة هي بداية لزمن مستقبل ونهاية لزمن ماضٍ (فلا بدّ من وجود لحظة قبلها).[56]
وهكذا فإن الزّمن بالنسبة لأرسطو له وجود مستمر وهو يرتبطُ دائماً بالحركة، ولا يمكن أن يكون له بداية.[57] من جهة أخرى فإنّ أفلاطون يعدّ الزّمن كحركة الأفلاك الدائرية،[58] بينما يقول أرسطو إنّ الزّمن ليس هو الحركة، بل هو عدّاد للحركة.[59] فيربط أرسطو بشكل واضح بين الزّمن العقلي والحركة، ولكن المشكلة التي تظهرُ هنا هي أنّ الزّمن منتظم بينما بعض الحركات سريع وبعضها بطيء، ولذلك نقيس الحركة بالزّمن لأنه منتظم.[60] فمن أجل التغلُّب على هذا الاعتراض، يعدّ أرسطو الحركات الدائرية المنتظمة للأفلاك السماوية كمرجع ويعدّ أنّ كُلّ الحركات الأخرى، وكذلك الزّمن، تقاس طبقاً لهذه الحركة.
ومن ناحية أخرى، يعدّ أرسطو أنّ الزّمن هو على الحقيقة خيالي لأنه يكون إمّا ماضياً أو مستقبلاً، وكلاهما غير موجود فعلياً؛ بينما الحاضر ليس زمناً بل هو حدّ في الزّمن، كالنقطة في الخط ليست هي الخط.[61]
وسوف نرى في الفصل الثّاني أن ابن العربي يشترك مع أرسطو في فكرة الزّمن اللانهائي الدائري وبأنّه مقياس للحركة، لكنّه لا يعدّه مستمرّاً. من الناحية الأخرى، يُوافقُ ابن العربي أفلاطون بأنّ الزّمن مخلُوقٌ مع العالَم. في الحقيقة إنّ فكرة أفلاطون كانت صحيحة تماماً عندما اعتبر أن الزّمن مخلوقٌ مع العالَم وليس أبدياً، لكن أرسطو رفض ذلك لأنه لا يستطيعُ أن يتخيّل نقطة بداية للعالم أو للزّمن، وهو محقٌّ في ذلك. ولكن بعد نظريّة النسبية العامة سنة 1915،[62] صار من الممكن تصوّر الزّمن المُحدّب بحيث يكون لا نهائياً ومحدوداً بنفس الوقت. وبذلك فقط يمكن أن ندمج بين وجهتي نظر أفلاطون وأرسطو المتعارضين، وهذا ما فعله ابن العربي على الحقيقة قبل سبعة قرون من النظريّة النسبيّة حيث تحدّث بشكل صريح عن الزّمن المحدّب والمنحني والنسبي، قبل آينشتاين بزمن طويل كما سنرى في الفصل القادم.
Plato's Cosmology, the Timaeus of Plato translated with a running commentary, Francis Macdonald Cornford, Routledge & Kegan Paul, (London and Henley, 1937, reprint 1977), p. 99.
وانظر أيضاً في:
A. E. Taylor,A Commentary on Plato's Timaeus(Oxford: Clarendon Press, 1928).
[56] انظر في:
Aristotle's Physics and Its Reception in the Arabic world with an edition of the unpublished parts of Ibn Bâjja's commentary of the Physics, P. Lettinck (Leiden: Brill, 1994), p. 562.
وانظر أيضاً في:
F. Miller,Aristotle on the Reality of Time(Archiv für Geschichte der Philosophie, 1974).
[57] انظر في:
P. Lettinck,Aristotle's Physics, p. 241, 259, 361.
[58] انظر في:
F. Cornford,Plato's Cosmology, p. 103.
[59] انظر في:
P. Lettinck,Aristotle's Physics, pp. 351, 382, 390.
[60] الزمن الوجودي: عبد الرحمن بدوي، ص90.
[61] انظر في:
P. Lettinck,Aristotle's Physics, p. 348.
[62] هناك نظريّتان للنسبية الأولى نشرها آينشتاين عام 1905، وتسمّى النسبيّة الخاصّة وتستند على أنّ الأحداث تعتمد كثيراً سرعة المرج الذي يقيس منه المراقب خاصّة عندما تكون سرعته قريبة من سرعة الضوء. أمّا في النظرية النسبيّة العامّة التي نشرت عام 1915 فقد أضاف آينشتاين تأثير الحقول الجاذبية والتي تؤدّي إلى تحدّب الزمكان.


