الأيّام المكوّرة (أيّام التكوير)
ثمّ إذا وقفنا في مكان واحد وراقبنا تدفق الزّمن فإنّنا نرى الشمس تغرب، على سبيل المثال، في بداية ليلة الأحد (وهي الليلة التي تسبق نهار الأحد)[387] وبعد ذلك تشرق في صباح نهار الأحد، وهكذا حتى تكمل أسبوعاً كاملاً حتى نعود إلى ليلة الأحد من جديد. هذا هو الأسبوع المشهود، وأيّامه هي الأيّام الطبيعية المشهودة، وابن العربي يدعوها الأيّام المكوّرة لأنّ نهاراتها ولياليها تبدو ملفوفة على بعضها البعض حول الكرة الأرضية كالدائرة. وتعود تسمية هذه الأيّام إلى قول الله تعالى في سورة الزُّمر ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)﴾. لذلك يمكن أن نقول أيضاً أنّ النهارَ مكوّرٌ على الليل، والليلَ مكوّرٌ على النهار، لأن النهار والليل كلّ منهما مثل نصف الكرة تحيط بالكرة الأرضية دائماً، وتلفّها وتدور حولها بشكل دائم كأنّها تطلب بعضها بثأر، كما يقول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾.
وهنا نلاحظ أنّ كلمة "يغشي" في هذا الآية ليست فقط بمعنى التغطية لكن أيضاً لها معنى المعانقة وتستعمل خاصّة فيما يخصّ النكاح.[388] وهكذا نجد أنّ ابن العربي يشبّه النهار والليل كزوجين يطلبان بعضهما البعض للنكاح من أجل التوالد، فنحن وكلّ شيء في العالَم أبناء الليل والنهار.[389] ويمثّل هذا النكاح المعنوي أحد المفاهيم الكونية الأساسية عند ابن العربي، وسوف نرجع إليه بعد قليل.
نستنتج من ذلك أنّه في كلّ يوم طبيعي (من الأيّام المكوّرة) وفي مكان معيّن على الأرض, هناك عدد كبير من الأيّام الأصلية تحدث، بعدد اللحظات في كلّ يوم؛ أي أنّه في كلّ لحظة من الزّمن الطبيعي الذي نشهده، هناك يوم شأن واحد يحيط بالعالَم بأكمله. رغم ذلك كلّ يوم من أيّام الشأن أيضاً متكوّن من الأيّام المتميّزة السبعة من الخلق من الأسبوع الإلهي الأصلي كما وصفناه بالتفصيل في الفصل السابق. ومع ذلك فإنّ كلّ يوم من هذه الأيّام الأصلية التي نشهدها (أي كلّ لحظة) هي في الحقيقة أسبوع كامل ونحن نشهد منه كزمن يوم السبت فقط ونشهد الأيّام الستة الأخرى كمكان كما أوضحنا من قبل في نهاية الفصل الثالث.
[388] كتاب أيّام الشأن: ص7.
[389] كتاب أيّام الشأن: ص7.


