الكون والزّمن بين الفلسفة والعلم الحديث
مقدّمة
إنّ علم الكون (الكوزمولوجيcosmology)[2] هو العلمُ الذي يدرسُ الكونَ من حيث نشأته وبنيته وتطوّره، والكونُ هو هذا العالَم الذي نعيش فيه بما يحويه من مادّة مرئيّة وغير مرئيّة وكذلك من عوالم أخرى كالجنّ والملائكة رغم أنّ أكثر هذه العوالم لم تدخل بعدُ تحت مظلة الأبحاث العلمية.
ولقد استُعملت كلمة الكون (cosmos) في الفلسفة اليونانية القديمة بمعنى التمايز والنظام والانسجام (وأيضاً: الجمال) وهي عكس كلمة الفوضى (chaos) التي تعني أيضاً عدم التمايز والعشوائية.
وهذا المعنى ينطبق أيضاً إلى حدٍّ كبيرٍ على الكلمة العربية "الكون": من التكوين أي التشكيل أي إعطاء شكلٍ محدّدٍ لشيءٍ كان غير متشكّلٍ أو غير متمايزٍ أي غير متكوّنٍ؛ وكلُّ ذلك يعود بأصله لرؤية فلسفيّة قديمة للخلق، حيث إنّ بعض النظريّات القديمة تعتبر أن العالَم كان موجوداً بشكلٍ غير متمايزٍ ثم تكوّن على ما هو عليه الآن في هذا الشكل الجميل والنظام البديع.
وهذه الرؤية، مع بعض التعديلات والتوضيحات والتفصيلات الأخرى، تتّفق مع رؤية الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي مع أنه يُقرّ بشكل صريح بالخلق عن عدم وفق الرؤية الإسلامية، ولكنّ مفهوم العدم عنده له معنىً خاصّ سنتطرّق إليه بالتفصيل في هذا الفصل أدناه.
ويُعدّ الزّمان (وكذلك المكان) من أهم القضايا الأساسية في الفلسفة وعلم الكون، حيث إنّ الوجود ما هو إلا سلسلة متتالية من الأحداث في الزّمان والمكان. ورغم أن كلَّ الناس يشعرون بالزّمان ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن أكثر الناس لا يعرفون ماهيّته ولا حتى يتساءلون عنها لأنه أصبح أمراً معتاداً ومألوفاً. ولكنّ الحقيقة أن فَهمَ الطبيعة الفلسفية للزمان وخصائصِه أمرٌ يحتاج إلى التمعّن والتفكّر كثيراً، وهو الأمر الذي تصدّى له الكثير من الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ من غير نجاحٍ واضحٍ حتى الآن.
ظهرت عبر تاريخ الفلسفة والعلم الحديث العديدُ من وُجهات النظر المختلفة حول ماهيّة الزّمان (وكذلك المكان) ولكنّ الأمر ما يزال بعيداً عن التحقيق وما يزال كشف حقيقة الزّمان حلمَ كلّ فيزيائي وفيلسوف، خاصّة مع توصُّل النظريّات الحديثة إلى النتيجة المهمّة والمقلقة أنّ فهم الزّمن هو المفتاحُ الأساسي لفهم العالَم.
The Encyclopedia of Philosophy, ed. by Paul Edwards, 8 vols. (New York: Macmillan Publishing, 1967).
من أجل كلمة'Cosmology'راجع: ج2ص237، ومن أجل'Chaos and Cosmos'راجع: ج2ص80.


