انتقل إلى المحتوى
غلاف نظرية الجوهر الفرد

مكتبة الجوهر الفرد · اقرأ الكتاب

نظرية الجوهر الفرد

مفهوم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي للزمن والخلق في ستة أيام

د. محمد علي حاج يوسف

في العالَم الإنساني والروحاني

كذلك هناك تناظر بين العنصر الأعظم والجوهر الفرد من جهة والعالَم الروحاني من جهة أخرى، ونقصد هنا بالعالَم الروحاني أرواح الأنبياء والأولياء وكذلك الملائكة المقرّبين من الله تعالى حيث رتّبهم الله تعالى في مراتب ومقامات مختلفة ومتفاضلة لها تسلسل هرمي يعلوه القطب ثم الإمامان ثم الأوتاد الأربعة وكذلك الأبدال والنقباء والنجباء بالإضافة إلى مجموعات أخرى غير مشهورة؛ كلّ فرد من هذه المجموعات له مسؤولية خاصّة وهم عموماً يعملون على الحفاظ على هذا النظام الكوني. وجميع أفراد هؤلاء المجموعات من الأرواح لهم نوّاب بين الناس من الأولياء.[566]

فيقول ابن العربي في الباب 73 من الفتوحات المكيّة إنّ لله تعالى في كل نوع من المخلوقات خصائص وهذا النوع الإنساني هو من جملة الأنواع ولله فيه خصائص وصفوة. وأعلى الخواص فيه من العباد الرسل عليهم السلام ولهم مقام النبوّة والولاية والإيمان فهم أركان بيت هذا النوع، والرسول أفضلهم مقاماً وأعلاهم حالاً أي المقام الذي يرسل منه على منـزلة عند الله من سائر المقامات وهم الأقطاب والأئمة والأوتاد الذين يحفظ الله بهم العالَم كما يحفظ البيت بأركانه.[567] ولقد ذكرنا بعضاً من ترتيبهم وأهميّتهم في كتاب شمس المغرب كما فصّل ذلك الشيخ محي الدين في الباب 73 من الفتوحات المكيّة.

ما يُهمّنا هنا من بين هؤلاء المجموعات هم الأوتاد الأربعة الذين منهم الإمامان وأحدهما القطب الذي يبدو أنّه يمثّل الجوهر الفرد أو الإنسان الكامل وله من أركان الكعبة ركن الحجر الأسود (وهو للشيخ محي الدين نفسه كما ذكر في الفتوحات المكية[568]) كما إنّ لكلّ وتد من هؤلاء الأوتاد ركن من أركان الكعبة الشريفة.[569]

فيقول الشيخ محي الدين في هذا الباب 73 الذي فصّل فيه مراتب رجال العدد من الأولياء إنّ الأرض لا تخلو من رسول حيّ بجسمه فإنّه قطب العالَم الإنساني ولو كانوا ألف رسول لا بدّ أن يكون الواحد من هؤلاء هو الإمام المقصود، فأبقى الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرسل الأحياء بأجسادهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهم: إدريس عليه السلام بقي حيّاً بجسده وأسكنه الله السماء الرابعة ... وأبقى في الأرض أيضاً إلياس وعيسى وكلاهما من المرسلين وهما قائمان بالدين الحنيفي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهؤلاء ثلاثة من الرسل المجمَع عليهم أنهم رسل، وأما الخضر وهو الرابع فهو من المختلف فيه عند غيرنا لا عندنا، فهؤلاء باقون بأجسامهم في الدار الدنيا. فكلُّهم الأوتاد واثنان منهم الإمامان وواحد منهم القطب الذي هو موضع نظر الحقّ من العالَم... فالواحد من هؤلاء الأربعة الذين هم عيسى وإلياس وإدريس وخضر هو القطب وهو أحد أركان بيت الدين وهو ركن الحجر الأسود، واثنان منهم هما الإمامان وأربعتهم هم الأوتاد؛ فبالواحد يحفظ الله الإيمان وبالثاني يحفظ الله الولاية وبالثالث يحفظ الله النبوّة وبالرابع يحفظ الله الرسالة وبالمجموع يحفظ الله الدين الحنيفي. فالقطب من هؤلاء لا يموت أبداً أي لا يُصعق. وهذه المعرفة التي أبرزنا عينها للناظرين لا يعرفها من أهل طريقنا إلا الأفراد الأمناء. ولكلّ واحد من هؤلاء الأربعة من هذه الأمّة في كل زمان شخص على قلوبهم مع وجودهم، هم نوّابهم فأكثر الأولياء من عامّة أصحابنا لا يعرفون القطب والإمامين والوتد إلا النوّاب لا هؤلاء المرسلون الذين ذكرناهم ولهذا يتطاول كل واحد من الأمّة لنيل هذه المقامات فإذا حصلوا أو خصّوا بها عرفوا عند ذلك أنهم نوّاب لذلك القطب ونائب الإمام يعرف أن الإمام غيره وأنه نائب عنه وكذلك الوتد.[570]

[566] الفتوحات المكية: ج2ص6س6.

[567] الفتوحات المكية: ج2ص4س15.

[568] الفتوحات المكية: ج1ص160س22، ج2ص5س33.

[569] الفتوحات المكية: ج2ص13.

[570] الفتوحات المكية: ج2ص4-6.

كتب أخرى للقراءة