أهميّة الأسبوع والخلق في ستّة أيّام
يقول ابن العربي في الباب الستين في معرفة العناصر وسلطان العالَم العلوي على العالَم السفلي وفي أي دورة كان وجود هذا العالَم الإنساني من دورات الفلك الأقصى:
|
إنّ العناصر أمّهات أربع |
وهي البنات لعالَم الأفلاكِ | |
|
عنها تولَّدنا[262] فكان وجودنا |
في عالَم الأركان والأملاكِ[263] | |
|
جعل الإله غذاءنا بسنابلٍ |
من حُكم سنبلة[264] بلا إشراكِ | |
|
وكذاك ضاعف أجرنا بسنابلٍ |
سبعٍ بقولٍ[265] ليس من أفّاكِ | |
|
وزماننا سبعٌ من الآلاف |
جا بتكرّر الأضواء والأحلاكِ | |
|
فانظر بعقلك سبعةً في سبعةٍ |
من سبعةٍ ليسوا من الأملاكِ[266] | |
|
وانظر بفكرك في تناسب حكمها |
واضرب بسيف صارم بتّاكِ |
فيؤكّد ابن العربي أنّه على الرغم من أنّنا نشهد العديد من الأيّام المختلفة والتي قد تبدو متشابهة فيما بينها، فإنّها في النهاية ترجع إلى سبعة أيّام مختلفة هي أيّام الأسبوع، وذلك بحسب طبيعة الأحداث التي تحدث في كلّ يوم منها؛ حيث يقول إنّه في كُلّ يوم من هذه الأيّام السبعة (الأصليّة) يأمر الله الأفلاك السماوية فتتحرّك بشكل مخصوص ممّا يُسبّبُ الأحداث المختلفة في العالَم. ولكن في الحقيقة فإنّ هذه الأيّام السبعة الأصلية التي يتكلّم عنها الشيخ محي الدين ليست هي نفسها الأيّام المشهودة عندنا وإنّما هي مترابطة معها ومتوالجة بها بشكل معقّد سوف نناقشه بالتفصيل في الفصل الرابع، ولكنّ هذا التوالج هو الذي يجعلنا نرى أحداثاً مختلفةً في نفس اليوم في حين أنّ كلّ يومٍ من الأيّام الأصلية مختصٌّ بنوعٍ معيّنٍ من الأحداث كما سنفصّله بعد قليل.
فيؤكد ابن العربي في الفتوحات المكية أهمية هذا الأسبوع الأصلي والمعاني المختلفة لأيّامه السبعة، التي تبدأ من يوم الأحد ثم الاثنين إلى يوم السبت؛ حيث يُوضّح بأنّ السّبت هو يوم الأبد وأنّ كُلّ أيّام الأسبوع، بما في ذلك يوم السّبت نفسه، تحدثُ في الحقيقة في يوم الأبد هذا! وهذه المفاهيم الغريبة لا يمكن فهمها إلا بعد فهم وجهة نظر ابن العربي حول التدفّق الفعلي للزمن والتي سنُوضّحُها في الفصل التالي؛ لكن في هذا الفصل سنُوضّحُ أوّلاً أصل ومعنى هذه الأيّام السبعة من الأسبوع الأصلي، ولماذا يجبُ أن تكون سبعة وما هي أهميةُ كُلّ يوم.
كذلك سنُوضّحُ في هذا الفصل مفهوم ابن العربي الفريد لعملية خلق الله تعالى للعالم في ستّة أيّام، من الأحد إلى الجمعة، ثم معنى استوائه سبحانه وتعالى على العرش يوم السبت وهو يوم الأبد كما أشرنا أعلاه؛ فيقول الشيخ الأكبر إنّ خلق العالَم في هذا الأسبوع يُقابلُ خلق المكان في ستّ جهات وبعد ذلك ظهور هذا الخلق في الزّمن في يوم السبت يوم الأبد. وهكذا فإنّ الأسبوع في الحقيقة هو الوحدة الأساسية للمكان والزّمان معاً، وبالتالي هو الدّهر كما وضّحنا في الفصل الثّاني.
إنّ هذا المفهوم المُتميّز لتوحيد المكان والزّمان يُضيفُ بُعداً مهمّاً إلى مفهوم النسبية ويظهر لأوّل مرّة في التاريخ بأسره أهميّة الأسبوع من الناحية العلمية والفلسفية.
[263] الأملاك هنا جمع ملَك من الملائكة وهم الملائكة الموكلون بالأفلاك.
[264] السنبلة هنا هي برج العذراء. راجع الشكل 3 في الفصل الأوّل.
[265] وذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)).
[266] الأملاك هنا جمع ملِك من الملوك؛ أي أنّهم مسخّرون والمسخر لا يستحق اسم الملك، وذلك بعكس ما يتصوّره المنجّمون من أنّ هؤلاء الملائكة أو الأرواح هم الحاكمون على العالَم والملوك لأمره.


