المستقبل والحاضر والماضي
قلنا من قبل إنّ المستقبل والماضي أمران وهميان لا يوجدان في الواقع؛ فالزّمن الحقيقي الوحيد الموجود هو الوقت الحاضر وهو الآن أو الوضع الحالي. وقلنا إنّ الدّهر هو دائرة لا نهائية وليس لها في حدّ ذاتها بداية ولا نهاية بل وجودٌ حاضرٌ مستمرٌّ من الأزل إلى الأبد.[240] ومع ذلك فرغم أننا نعيش في هذا الحاضر المستمر فلا نزال ندرك الماضي والمستقبل، فكيف يكون ذلك ؟
يقول ابن العربي إنّ أعيان الموجودات كانت دائماً موجودة في علم الله تعالى ولكن ليس وجوداً حقيقياً فعلياً،[241] وما يحدث لها هو أنّه سبحانه يخرجها من هذا الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل؛ فعندما يخلق الله العالَم تظهر هذه الأعيان في الوجودالحقيقي في نفس الحقيقة التي كانت عليها في علم الله. ولكنّ الله تعالى قدّر أنّه لا يخلقكلّ الأعيان والحالات المتعاقبة من العالَم دفعة واحدة بل في عملية متسلسلة وبشكل سبَبِيّ محدّد؛ فتأتي أعيان المخلوقات إلى الوجود واحدة بعد الأخرى. وبما أنّنا نحن كائنات جزئية في هذا الوجود فإنّنا نصادف زمناً حاضراً ومستقبلاً وماضٍ، في حين أن الحقيقة هي الزّمن الحاضر فقط. فيقول ابن العربي إنّ الزّمان الماضي هو نفيُ عدمٍ محقق، والزّمان المستقبل هو عدمٌ محض؛ فالعالَم بين الأبد والأزل برزخ به انفصل الأبد من الأزل، لولاه ما ظهر لهما حكم ولكان الأمر واحداً لا يتميّز، كالحال بين الماضيوالمستقبل لولا الحال ما تميّز العدم الماضي عن العدم المستقبل، وهذا حكم البرزخ لا يبرحدائماً في العالَم وهو الرابط بين المقدّمتين لولاه ما ظهر علم صحيح.[242] فالزّمان الحاضر أو الحال الحاضر هو الوحيد الذي يتّصف بالوجود، فالحال له الوجود الدائم وهو الحكم الثابت اللازم، وما عدا الحال فهو عدم وما له في الوجود قَدم.[243]
[241] الفتوحات المكيّة: ج2ص309س25، ج1ص538س32.
[242] الفتوحات المكية: ج2ص69س13، ج3ص108س16.
[243] الفتوحات المكية: ج2ص56س11، ج4ص362س33.


