أهمية كلّ يوم من الأسبوع الأصلي
بسبب أهمية هذه الأيّام الأصلية في عمليّة الخلق نجد أنّ ابن العربي يشرح عنهم بالتفصيل في كتاب الفتوحات المكية وكتبه الأخرى أيضاً مثل كتابه الغامض المسمى التنـزُّلات الموصلية في أسرار الطهارات والصلوات والأيّام الأصلية،[311] الذي كرّس فيه ابن العربي الفصول العشرة الأخيرة إلى هذه الأيّام الأصلية وعلاقاتها بالأجرام السماوية والكواكب السبعة، ولكن المشكلة أنّه استخدم في ذلك أسلوباً غامضاً يجعل من الصعب علينا الدخول إلى تفاصيل هذا الكتاب وفكّ ألغازه. ومع ذلك فإنّنا يمكن أن نستخلص بعض المعلومات المهمة منه خاصة بعد أن نقارنها بالنصوص المشابهة في الفتوحات المكية والكتب الأخرى. فعلى سبيل المثال، حتى من مجرّد عنوان هذا الكتاب، نعلم أنّ هناك أيّام أصلية، مقابل هذه الأيّام الطبيعية التي نشهدها على الأرض. وكما نوّهنا من قبل فسوف نخصّص الفصل الرابع لدراسة الأنواع المختلفة للأيّام التي يتحدّث عنها ابن العربي كما استوحاها من القرآن الكريم وهي أيّام التكوير وأيّام الإيلاج وأيّام السلخ.
إذن بما أنّ كلّ يوم من أيّام الأسبوع الأصلية محكوم بشكل ما لصفة من الصفات السبع الأمهات الإلهية فإنّه يجب أن يأخذ هذا اليوم صفة مميّزة تتعلّق بهذا الصفة الإلهية. ورغم أنّ هذه الأهمية المتميّزة لا تبدو ظاهرة في الأيّام الطبيعية ولكنّها لا شكّ لها علاقة واضحة مع الأيّام الأصلية التي سنتكلّم عنها أدناه. فبالإضافة إلى الآيات القرآنية الكثيرة التي تتحدّث عن خلق السموات والأرض في ستّة أيّام هناك بعض الأحاديث النبوية التي توضّح اختصاص كلّ يوم في عمليّة الخلق هذه.
فيقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرَك عن ابن عباس رضي الله عنهما إنّ الله عز وجل خلق أوّل الأيّام يوم الأحد وخُلقت الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين، وخُلقت الجبال وشُقّت الأنهار وغُرس في الأرض الثمار وقُدّر في كل أرض قوتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)﴾ [سورة فصلت آية 11] في يوم الخميس ويوم الجمعة، وكان آخر الخلق في آخر الساعات يوم الجمعة، فلمّا كان يوم السبت لم يكن فيه خلق.[312]
وكذلك ذكر ابن جرير في التفسير عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه قال: جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستّة، فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخراجها يوم الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول ثلاث ساعات: الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم، قالوا: صدقت إن تممت، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب، فأنـزل الله تعالى (في سورة ق): ﴿...وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ... (39)﴾.[313]
وفيما يلي سوف نوضح خصوصية كل يوم من هذه الأيّام السبعة كما يراها ابن العربي:
[312] كنز العمال: حديث رقم 12150، وانظر أيضاً حديث رقم 12151.
[313] كنز العمال: حديث رقم 12251.


