Islamic Calligraphy

التشكيل الفراغي للحروف العربية

مقارنة بين نظام حروف اللغة العربية ونظام الجسيمات الأولية في الطبيعة وعلاقتهما بالأبعاد المكانية والزمانية وفق نظرية الجوهر الفرد ورؤية الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي للخلق في ستة أيام

(بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الثامن للغة العربية الذي سينعقد في دبي في شهر نيسان سنة 2019)

د. محمد علي حاج يوسف – جامعة الإمارات العربية المتحدة

الخلاصة:

استناداً إلى النتائج التي تم استخلاصها في أبحاث سابقة بخصوص الدور الأساسي للزمان في تشكيل الأبعاد الفراغية بما تحويه من جسيمات المادة والطاقة، وذلك بناءً على نموذج الجوهر الفرد ونظرية الخلق في ستة أيام، فقد وجدنا أنَّ نظام تشكيل الحروف في اللغة العربية تحديداً، وفي باقي اللغات عموماً، يتشابه إلى حدٍّ بعيد مع نظام الجسيمات الأوّلية المكوِّنة للذرّات والجزيئات التي بُني عليها الكون بأسره؛ وذلك لأنّ الكون المحيط ما هو إلا كلمات الحقِّ التي لا تنفد، والإنسان عندما يتكلَّم، أو يكتب، يُنشئ المعاني في خيال المستمع كما يخلق الله تعالى الأشياء في الوجود.

نبيِّن في هذا البحث أن هذا التناظر بين الحروف والجسيمات يسري بدقة كبيرة على مستويات مختلفة؛ فكلاهما يضم ثمانية وعشرون عنصراً أساسياً يمكن تنظيمها بحسب خواصها المختلفة إلى مجموعات تضم ثنائيات وثلاثيات ورباعيات، ومجموعات أخرى متناظرة بحسب مخارجها وأوزانها وصفاتها الكهربائية والنووية. وتوضح الدراسة المتعمقة أن سبب هذا التناظر المدهش هو أنَّ كلا النظامين، اللغوي والذرِّي، ينبثق عن الأبعاد الداخلية للزمان، وهي الأيام الستة الكونية التي تشكِّل الأبعاد الثلاثة المكانية، إضافة إلى البعد الزماني الخارجي، فيكون مجموعها سبعة أبعاد زمانية هي نفسها أيام الأسبوع التي تتضاعف أربع مرات، بحسب مراتب الطبيعة، لتشكل الشهر القمري، الذي ينتقل فيه القمر بين المنازل الثمانية والعشرين الرئيسية. من أجل ذلك نجد في الكثير من المخطوطات القديمة، سواء في اللغة العربية أو في غيرها من اللغات الأصيلة، طرقاً مختلفة للربط بين الحروف ومنازل القمر والأفلاك الأخرى، غير أن أكثرها يأخذ الطابع الغيبي، كالسحر والتنجيم والشعوذة، من غير فهم العلاقات الدقيقة بين هذه المكونات المختلفة.

إضافة إلى ما سبق، هناك دلائل كثيرة تؤكد أن هذا التناظر الدقيق بين اللغة العربية ولغة الكون يتشعب كذلك إلى الكثير من التراكيب الأساسية التي تشكل هيكل اللغة، مثل علامات الإعراب والأسماء والحروف النحوية وطريقة تركيب الجمل المختلفة. لكن هذا الموضوع بحاجة إلى دراسة متعمقة، وسنكتفي في هذا البحث بالإشارة إلى بعض هذه البنيات الرئيسية التي يمكن أن تشكل نواة لأبحاث أخرى في المستقبل.

بناءً على هذه النتائج، يؤكد هذا البحث على المكانة الرفيعة التي تحتلها اللغة العربية بين باقي اللغات التي لا تتشابه مع هذا النظام الكوني إلا بمقدار تشابهها مع اللغة العربية، وهو الأمر الذي يُرجِّح كونها أصل جميع اللغات، وأنها لغة توقيفيّة مُلهَمة تتوافق مع الاستعداد الفطري عند البشر.

يتألف هذا البحث من ثلاثة فصول: أولها يقوم بتعريف مختصر للنظام الذري للكون وتصنيف الجسيمات الأولية وفق النموذج القياسي المعتمد في نظريات الفيزياء الحديثة، ثم يأتي الفصل الثاني لتقديم بعض التفاصيل عن أصل اللغة العربية وأنظمة ترتيب حروفها، وبخاصة النظام الأبجدي الفينيقي. بعد ذلك نقوم في الفصل الأخير بشرح نظرية الجوهر الفرد التي تؤدي إلى بنية فراغية هندسية جديدة للكون وأبعاد الزمان الداخلية، وذلك وفق رؤية الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي للخلق في ستة أيام، والتي تم تفصيلها في منشورات أخرى نشير إليها، في حين سوف نركز في هذا البحث على تطبيق هذه النظرية على شرح هذا الترابط العضوي بين حروف الكون وحروف اللغة العربية.

 

1.    الفصل الأول – تعريف مختصر بالنظام الذري للكون:

لقد حاول الفلاسفة والعلماء منذ القديم معرفة مكوّنات المادة الأساسية التي لا يمكن تقسيمها، وكانت تُعرف قديماً بالذرات، لكنّ ماهيتها لم تكن معروفة. ثم لما تبيّن أنّ الذرَّات تتكون في الحقيقة من جسيمات أخرى، مثل الإلكترونات والبروتونات، تحوَّل البحث إلى البنية الدقيقة لهذه المكونات حتى الوصول إلى الجسيمات الأوَّليَّة التي لا يمكن تقسيمها، على الأقل وفق الإمكانيات العلمية المتوفرة حالياً، وهي إمكانيات تجريبية ونظرية هائلة إذا ما قارنّاها بما كان متوفراً للفلاسفة القدماء الذين كانوا يفسرون بنية المادة وفق العناصر الأساسية الأربعة: التراب، الماء، الهواء، والنار، إضافة إلى الجوهر الخامس الذي تنشأ منه هذه العناصر الأربعة.

قبل نهاية القرن التاسع عشر كان العلماء يتصورون الذرَّه مثل كرة تحوي بداخلها جسيمات كهربائية، ثم كشفت التجارب وجود نواة للذره لها شحنة كهربائية موجبة وإلكترونات لها شحنة سالبة تدور حولها، وكانت ذرات العناصر المختلفة مرتبة في الجدول الدوري بحسب عدد الإلكترونات التي تعطيها صفاتها الفيزيائية والكيميائية. لكن هذه الصورة المجملة تغيّرت كثيراً في العقود التالية بعدما تبيّن أن النواة نفسها مركبة من بروتونات ونيوترونات، ثم تبيّن لاحقاً أنّ هذه الأخيرة مركبة من جسيمات أخرى تسمى الكوراكات، ثم ظهرت بضع مئات من الجسيمات الجديدة أثناء إجراء تجارب التصادم بين البروتونات وتفتيتها إلى مكوناتها الدقيقة.

 

أ‌.        النموذج القياسي للجسيمات الأولية:

بعد دراسة متأنيّة استغرقت بضع عقود أخرى، استطاع العلماء ترتيب هذه الجسيمات الكثيرة وتحديد تركيبها الداخلي، وتبيّن أنّها تنبثق جميعها من ثمانية وعشرين جُسيما أوَّليًّا لا يمكن تقسيمها أكثر من ذلك، وهي التي تشكل الآن ما يُسمى بالنموذج القياسي للجسيمات الأولية (standard model of elementary particles)، كما هو موضح في الشكل المرفق. وقد أُلحق مؤخراً بهذا النظام جسيم آخر له صفات خاصة هو جسيم هيغز، ليصبح مجموعها تسعة وعشرين جُسيماً أوَّليًّا، وهو ما يُذكِّرنا بعدد حروف اللغة العربية، الثمانية والعشرين، والتي يُلحق فيها أيضاً الحرف المركب: لام ألف، لتصبح تسعة وعشرين.

يبدو الأمر مدهشا جداً أن يكون هناك مثل هذا التشابه الكبير بين نظام الجسيمات الذرية ونظام الحروف في اللغة العربية، لكنَّ الدهشة ستزيد بشكل أكبر عندما نجري مقارنة أعمق بين الترتيب الداخلي لهذه الجسيمات وتقسيمها إلى مجموعات بحسب خواصها الكهربائية والنووية المختلفة، والتي تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ خواص الحروف في اللغة العربية تحديداً، وكذلك في بعض اللغات الأخرى بشكل نسبي. ثم سوف نجد أن كلا النظامين، اللغوي والذري، يتعلق بشكل كبير بالأيام السبعة التي تشكل الأسبوع، والتي تتضاعف أربع مرات لتشكل الشهر القمري، الذي ينتقل فيه القمر بين المنازل الثمانية والعشرين الرئيسية!

على الرغم من أنّ العلماء استطاعوا تحديد الخواص الدقيقة لهذه الجسيمات، إلا أنه لا تزال هناك الكثير من الأمور الغامضة، مثل وجود ثلاثة أجيال من كل جسيم تختلف عن بعضها بالكتلة، إضافة إلى بعض الأمور التفصيلية الأخرى، ولكن: بشكل عام تُقسم الجسيمات الأولية في هذا النموذج القياسي إلى ستة كواركات وستة ليبتونات، فيكون المجموع اثنا عشر جسيماً، ثم يتضاعف هذا العدد إلى أربعة وعشرين إذا ما علمنا أنَّ لكلِّ واحدٍ من هذه الجسيمات جسيماً مضادًّا يُشبهه، ولكن يختلف عنه بالشحنة وبعض الميِّزات الأخرى، وتُسمى هذه المجموعة التي تضم أربعة وعشرين جسيماً بالفيرميونات، وهي التي تعطي المادة شكلها الفيزيائي وكتلتها.

الشكل التالي يوضح ترتيب وخواص هذه الجسيمات وفق النموذج القياسي (الصورة مأخوذة من موقع ويكيبيديا العربية):

إضافة إلى هذه الفيرميونات، الأربعة والعشرين، هناك أربعة بوزونات ليس لها كتلة (نظرياً على الأقل)، من ضمنها فوتون الضوء، وهي بشكل عام مسؤولة عن نقل الطاقة النووية والكهرومغناطيسة، أو القوى الكهربائية والنووية الضعيفة والقوية. فيكون المجموع ثمانية وعشرين جسيماً، ثم يُضاف لها بوزون هيغز كما قلنا، وهو جسيم له مميزات خاصة، وهو المسؤول عن اكتساب الجسيمات الأخرى للكتلة، وقد تم تأكيد وجوده سنة 2012 في مصادمات سيرن.

ب‌.   دور التناظر الهندسي في تصنيف الجسيمات:

لا شكَّ أن الأمر يحتاج إلى دراسة أكثر تفصيلاً من هذه الخلاصة السريعة، ولكن مما يجدر ملاحظته أن أغلب هذه الجسيمات تم اكتاشفها عن طريق مبدء التناظر؛ فنحن عندما نرى جزءً من أيِّ شكلٍ هندسيٍّ منتظم يمكننا أن نستقرء بسهولة بقية هذا الشكل؛ فإذا رأينا مثلاً ثلاثة رؤوس لشكل مربع يمكننا بسهولة تحديد مكان الرأس الرابع. وبهذا الشكل كان العلماء يتنبَّؤون بوجود الجسيمات ويحدِّدون مواصفاتها قبل أن يستطيعوا رؤيتها تجريبيا؛ فمثلا وجود جسيم ما بصفات محددة يجعلنا نبحث تلقائياً عن وجود الجسيم المضاد له. وبشكل مشابه، ولأنّ الفيرميونات تنتظم وفق ثلاثة أجيال تختلف عن بعضها بالكتلة، أمكن التنبُّؤ بوجود الكواركات المختلفة بعد معرفة بعضها، وفي النهاية تم التأكد من وجود كلِّ هذه الجسيمات المتوقعة باستثناء الغرافيتون، وهو جسيم الجاذبية الذي يحتاج استكشافه إلى طاقة هائلة غير متوفررة حالياً.

يعود السبب الرئيسي لهذا التناظر الدقيق إلى أنّ هذه الجسيمات هي في الحقيقة ناتجة عن تداخل الأبعاد المختلفة للزمان والمكان، فينعقد من هذا التداخل اهتزازات مكمَّمة تشبه إلى حدٍّ بعيد طريقة تشكيل الحروف أثناء النطق بها عن طريق الحلق واللسان والشفتين، بل وتشبه كذلك، إلى حدٍّ بعيد، طريقة رسم الحروف العربية وتداخل خطوطها ودوائرها! فكما تُشكِّل أعضاء النطق الحروفَ المختلفة باهتزازاتها ونغماتها وحِدَّتها، كذلك تتشكَّل هذه الجسيمات في الأبعاد المكانية المختلفة بحسب درجات الحرية لكل منها، وهو الأمر الذي يحدِّدُ خواصَّ كلِّ واحدٍ منها من حيث الشحنة والكتلة وغير ذلك من الصفات الكمية والكهربائية.

ت‌.   الجسيمات والجسيمات المضادة:

لقد وجد الفيزيائي ديراك في ثلاثينيات القرن الماضي أن الإلكترون (وهو ذو شحنة سالبة) لا بدّ أن يكون له جسيم يشبهه تماما في جميع صفاته، إلا أنه يحمل شحنة موجبة. ثم بعد بضع سنوات تم اكتشاف هذا الجسيم الذي سمي بوزيترون. بعد ذلك تبين أن معظم أنواع الجسيمات يوجد لها جسيم مضاد مساو لها في الكتلة الساكنة والدوران المغزلي، ولكن له شحنة كهربائية معاكسة. جميع قوانين الطبيعة تكون متماثلة بشكل قوي فيما يتعلق بالجسيمات والجسيمات المضادة. فمثلا عندما يتحد بروتون مضاد مع بوزيترون (وهو إلكترون مضاد) فإنهما يشكلان ذرة من الهيدروجين المضاد، تشبه الهديروجين العادي تماماً في جميع خواصها.

بالتأكيد يحتاج الموضوع لتفصيل أكثر، ولكن ما يهمنا هنا يخصوص هذا البحث هو ملاحظة أن خاصية التضاد هذه تقسم الجسيمات، الثمانية والعشرين، إلى ثلاثة أقسام: أربعة منها ليس لها جسيم مضاد، أو يمكن القول أن جسيمها المضاد يتطابق تماما معها، وتسمى هذه الجسيمات بوزونات، والأربعة والعشرين الباقية تسمى فرميونات وهي عبارة عن اثني عشر جسيما لكل منها جسيم مضاد. وهذا الأمر يذكرنا بالحروف المتقابلة، مثل: السين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين، والراء والزاي، والدال والذال، وهكذا، كما سنرى في الفصل الثالث من هذه المقالة.

ث‌.   الكواركات واللبتونات (الستة):

من جهة أخرى نجد في النموذج القياسي الموضح في الشكل السابق أن هناك ستة جسيمات تسمى الكواركات، وهي التي تعطي المادة شكلها الفيزيائي وكتلتها، لأنها تتركب مع بعضها لتشكل جسيمات ثقيلة تسمى الهادرونات، مثل البروتون والنيوترون، والني بدورها تشكل نواة الذرة التي تدور حولها الإلكترونات. كذلك هناك ستة جسيمات تسمى لبتونات، وأشهرها هو الإلكترون المعروف.

بذلك يمكن أن نلاحظ بشكل واضح أن الفرميونات، الأربع والعشرين، تنقسم إلى أربع مجموعات كل منها يضم ستة جسيمات، فإذا أضفنا لها مجموعة البوزونات الأربعة، يصبح لدينا سبعة مجموعات، تقابل على الحقيقة أيام الأسبوع، من الأحد إلى الجمعة، للفرميونات، والسبت خاصة للبوزونات، ولكن لا يمكننا فهم هذه العلاقة إلا بعد شرح أهمية هذه الأيام السبعة وكيفية الخلق في ستة أيام، كما سنفصله في الفصل الثالث.

ج‌.    الأجيال الثلاثة للفرميونات:

كذلك من جهة أخرى، كما هو موضح في الشكل أعلاه، تنقسم الفرميونات إلى ثلاثة أجيال، إضافة إلى البوزونات. لا تستطيع الفيزياء الحديثة تفسير ذلك، إذا لا يبدو أبدا أن هناك أي دور ظاهر لفرميونات الجيل الثاني والثالث، ولكن سوف نجد في الفصل الثالث أن هذه الأجيال تتعلق بالمخلوقات الغيبية، وهي الجن والملائكة، وهي غيبية لأنها موجودة في الأبعاد الداخلية، الأول والثاني، في حين أننا نحن البشر نعيش في البعد الثالث، كما سنرى بمزيد من التفصيل بعد أن نقدم عرضاً مختصراً لتاريخ وبنية نظام الحروف في اللغة العربية.

 

2.    الفصل الثاني – نظام الحروف في اللغة العربية:

تُعدُّ اللغة العربية من أقدم اللغات الحيّة وأعظمها، حتى أنَّ البعض يعدُّها لغةً توقيفية، وأنها الأقرب إلى اللغة الساميَّة الأمُّ، التي تفرَّعت منها أغلب اللغات في أفريقيا وآسيا، لأنها لم تتأثر كثيراً ببقية الحضارات، حيث كانت مقتصرة على جزيرة العرب. اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، ولكن لا أحد يعلم، على وجه التحديد، أعماق جذورها الأصيلة ومراحل تطورها التاريخية، فيقول بعضهم إنها ترجع إلى قبيلة يعرب بن قحطان، وبعضهم يقول إنها لغة آدم عليه السلام، وهناك دلائل تشير إلى أن اللغة العربيّة هي أصل جميع اللغات، وأنها لغة توقيفيّة مُلهَمة؛ أي أنها استعداد فطري عند البشر، وذلك من قوله تعالى في سورة البقرة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا [31])، وأكثر علماء المسلمين على هذا الرأي،[1] وكذلك الكثير من علماء اليهود والنصارى. يؤكد هذا الرأي كذلك قول أفلاطون في إحدى محاوراته أن اللغة ظاهرة طبيعية لا شأن للإنسان في وجودها، وكذلك يقول هيراقليتوس. وفي المقابل يرى بعض الفلاسفة، مثل أرسطو وديمقريطوس، أن اللغة اصطلاح واتفاق بين البشر، وأشهر من يدعم هذه النظرية في العصور الحديثة هو الفيلسوف الإنجليزي آدم سميث، والفرنسي جان جاك روسو، وهم كذلك يقولون بتعدد أصول اللغات، حيث أن كلَّ حضارة أو بيئة اجتماعية متطورة يمكن أن تنشأ فيها لغتها الخاصة وتتطور عبر الزمن، وذلك بخلاف النظرية الأولى التي تقول إن اللغة توقيفية وفطرة إنسانية، وبالتالي لا بدَّ أن يكون أصل جميع اللغات لغة واحدة ثم تفرعت منها لهجات مختلفة تطورت فيما بعد إلى لغات مستقلة. ويبدو من خلاصة الأبحاث في هذا الخصوص أنّ اللغة في أصلها غريزة توقيفيّة وإلهام إلهي للبشر، ثم قاموا بتطويرها على مراحل كثيرة حتى وضعوا قواعدها ووصلوا إلى التعبير عنها بالرسم والكتابة. ومع أن الأدلة المتوفرة تشير إلى أن اللغة بدأت بالكتابة، إلا أن الباحثين يعتقدون أنَّ هذه الكتابة ظهرت بعد اللغة المنطوقة بآلاف السنين. إن أقدم السجلات المكتوبة هي صور الكلمات السومرية الموضوعة في حوالي عام 3500 ق.م، والكتابة الهيروغليفية المصرية التي تعود إلى عام 3000 ق.م.، في حين تعود اللغة الصينية المكتوبة إلى حوالي عام 1500 ق.م.، والإغريقية إلى عام 1400 ق.م.، على وجه التقريب. أما اللاتينية فتعود إلى حوالي عام 500 ق.م.

أ‌.        أصل اللغة العربية:

نشأت اللغة العربية الفصيحة في شمالي الجزيرة العربية، وكان العدنانيّون يتكلَّمون بها، وهي تُصنَّف ضمن مجموعة اللغات الساميّة الوُسطى، والتي تشمل الآراميّة، والعبريّة، والكنعانيّة، ولكنها تختلف عن العربية التي نشأت في جنوبي الجزيرة، المعروفة باللغة الحِميَرية التي تكلَّم بها القحطانيّون. وفي كلِّ الأحوال فقد استطاعت اللغة العربية الحفاظ على خصائصها، بعكس باقي اللغات القديمة، التي فقدت كثيراً من ألفاظها وقواعدها بسبب الاختلاط مع الحضارات المجاورة.

يؤكد العديد من المختصين أن تاريخ اللغة العربية سابق لجميع لغات العالم التي خرجت من الجزيرة العربية مع انتشار الشعوب والقبائل القديمة، ومنهم الأنباط، والحبشيون، والقبطيون، والسريانيون، والعبرانيون، والآكاديون، والبابليون والآشوريون والسومريون. فقد قال الباحث دافيد صمويل مرجليوث أنَّ اللغة العربية أقدم من كلِّ تاريخ،[2] كما أشار المستشرق الأمريكي وليم ورل إن اللغة العربية لم تتقهقر فيما مضى أمام أي لغة أخرى من اللغات التي احتكَّت بها.[3] كما يقول الباحث الفرنسي بيير روسي أن اللغة العربية هي أم اللغات،[4] ويؤكد الباحث الهندي كرامت حسين الكنتوري أنها هي الأصل،[5] حيث أشار الباحث الألماني ماكس موللر أن أقدم اللغات هي تلك التي تكون أغنى من غيرها بالترادف والمشترك اللفظي، وقد قدم أمثلة من اللغة العربية على ذلك، كما قال البروفسور وليام بدويل أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تصلح في نفس الوقت للدين والدبلوماسية والسياسة والتجارة.[6] وتوضح الدراسات كذلك أن أكثر اللغات الحديثة استفادت من اللغة العربية واستعارت منها الكثير من المفردات، مما أنقذها من الانقراض كما حدث للغة اللاتينية، فقد نقل الدكتور سليمان أبو غوش عشرة آلاف كلمة إنجليزية من أصل عربي.[7]

على كل حال، لقد ادعت الكثير من الحضارات والأمم عبر التاريخ أن لغتها هي اللغة الأصلية التي تفرعت منها باقي اللغات. فقد زعم الصينيون ذلك، وكذلك الأرمـن، واليهود والآراميون، واعتقد الإغريق أن لغتهم هي لغة الحكمة التي تعكس النظام الكوني. لكن الحقيقة أن هناك شروطاً كثيرة يجب أن تتوفر في اللغة حتى تكون أصل باقي اللغات، وهذه الشروط لا تنطبق على أي لغة حية إلا اللغة العربية. فمثلاً يجب أن تكون هذه اللغة قديمة، وأن تكون مفرداتها منتشرة في باقي اللغات القديمة والحديثة، وأن تكون لغة تصويرية سبقت الكتابة والحروف. فهذه الشروط السابقة كلها لا تتوفر إلا في اللغة العربية وحدها، لأنها لغة فذة فريدة تتمتع بالقِدم والأصالة والكمال والجمال والقداسة والخلود.

ب‌.   أصل الحروف العربية:

يشير الباحثون المعاصرون إلى أنَّ الأبجدية العربيَّة نشأت وتطوَّرت من الأبجدية الآراميَّة، وأنَّ أصول الحروف العربيَّة أُخذت من الأحرف الأبجدية الساميَّة الجنوبيَّة وأنَّها انتقلت إلى شبه الجزيرة العربيَّة عبر اللغة النبطيَّة في جنوب الشام، وأول نص معروفٍ بالأبجدية العربية هو نقشٌ من القرن الرابع الميلادي موجود عند جبل رم شرق مدينة العقبة. ويقول مكحول الهذلي إن أول من وضعوا الخط والكتابة هم نفيس ونضر وتيماء ودومة من أولاد إسماعيل بن إبراهيم، وأنهم وضعوها متصلة الحروف، بعضها ببعض، حتى الألف والراء، ففرقها هميسع وقيدار، وهما من أولاد إسماعيل.[8] في حين يقول علي المسعودي إن أول من وضع الكتابة هم بنو المحصن بن جندل بن يعصب بن مدين، وأسماؤهم: أبجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت، فلما وجدوا حروفًا  ليست في أسمائهم ألحقوها بها وسموها الروادف، فتمت بذلك حروف الهجاء. وقيل بل هم ملوك مدين وأن رئيسهم لكمن، وأنهم هلكوا يوم الظلة، وأنهم قوم نبي الله شعيب.[9] وتُشير الروايات المتواترة إلى إن الكتابة العربية اشتقت من الخط الحميري الذي انتقل إلى العراق في عهد المناذرة، ثم انتقل إلى الحجاز عن طريق القوافل التجارية والأدبية، وقد أخرج الحافظ أبو طاهر السلفي في الطيوريات بسنده عن الشعبي ما يؤيد ذلك فقال أن أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية، تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار.[10] ويقول المستشرق الألماني مورتينز إن أصل الكتابة بالحروف الهيروغليفية كان في اليمن، وهو يعتقد أن اليمانيين هم الذين اخترعوا الكتابة وليس الفينيقيون، كما هو الرأي المشهور، مستدلاً على رأيه بأن الفينيقيين إنما بنوا كتابتهم على الكتابة العربية اليمانية، ثم إن اليونانيين أخذوا الكتابة عن الفينيقيين، وعنهم أخذ الرومان.[11] وقال ابن خلدون في مقدمته في فصل أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية: "ولقد كان الخط العربي بالغًا ما بلغه من الأحكام والاتقان والجودة في دولة التبابعة، لما بلغت من الحضارة والترفُّه، وهو المسمى بالخط الحميري، وانتقل منها إلى الحيرة ".[12]

ت‌.   عدد الحروف العربية وأنظمة ترتيبها:

كذلك فقد اختلف فقهاء اللغة حول عدد الحروف في اللغة العربية، فمنهم من يفرّق بين الهمزة والألف، لأن الأولى تخرج من آخر الحلق ولها صوت واضح، في حين أنَّ الألف يخرج من الجوف. أما الشيخ محي الدين ابن العربي فيقول إنَّ الألِف ليس من الحروف، ولكنَّه يشكّل أساساً لها، تماماً كما أنّ الرقم "واحد" ليس من الأعداد بل هو أساسها؛ وذلك لأنّ أيّ صوت يخرج من الفم لابدّ أن يبدأ بحرف الألف لأنّه ببساطة هو بداية خروج النفَس من الحنجرة. هذا يعني أنّ حرف الألف موجودٌ تلقائيا في كلّ حرفٍ، مثل الجوهر الفرد فهو أيضاً موجود في كلّ شيءٍ في العالَم أو أنّ كلَّ شيءٍ مركّبٌ منه بشكل أو بآخر، كما أنَّ كلَّ الكلمات والحروف مركّبة في النهاية من حرف الألف، سواء في اللفظ أو في الكتابة، كما أنّ كلَّ الأعداد مركّبة كذلك من الرقم واحد وهو في حدّ ذاته ليس عدداً، وكذلك كلُّ الخطوط والأبعاد مركبة من النقطة، وهي بذاتها ليس لها بُعد، كما سنرى في الفصل الثالث.

ث‌.   مخارج الحروف وأنظمة ترتيبها:

مخارج الحروف الهجائية هي محالُّ خروجها وتميُّزهه حين ينقطع الصوت عند الحرف فيميِّزه عن غيره من الحروف المتقاربة والمختلفة، ويعرف المخرج عادة حين ينطق بالحرف ساكناً أو مشدداً بعد همزة وصل محركة، فحيث ما انقطع الصوت بالحرف فهو مخرجه. ويجمع أغلب العلماء، كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وأكثر النحويين، وأكثر القراء، أنّ هناك خمسة مخارج عامة يتفرع عنها سبعة عشر مخرجاً خاصاً، كما هو موضح في الشكل المرفق. وهناك بعض العلماء من يحصر المخارج في ستة عشر، مثل سيبويه والشاطبي، وبعضهم في أربعة عشر، مثل قطرب والجرمي والفراء، حيث أسقطوا الجوف أو الخيشوم أو كليهما، وضموا حروفها إلى المخرج المجاور.

هذه المخارج الخمسة العامة هي:

1.     الجوف، ويشتمل على مخرج واحد، ويخرج منه حروف المد الثلاثة، وتسمى بالحروف الجوفية.

2.     الحلق، ويشتمل على ثلاثة مخارج: فمن أقصاه، مما يلي الصدر، تخرج الهمزة والهاء، ومن وسطه يخرج العين والحاء، ومن أدناه، مما يلي اللسان، يخرج الغين والخاء؛ وتسمى هذه الحروف بالحلقية.

3.     اللسان، ويشتمل على عشرة مخارج، يخرج منها ثمانية عشر حرفاً، مفصلة في الجدول المرفق.

4.     الشفتان، ويشتملان على مخرجين، ويخرج منهما أربعة أحرف تسمى بالحروف الشفوية، وهي مفصلة في الجدول المرفق.

5.     الخيشوم، وهو أعلى الأنف من أقصاه، ويشتمل على مخرج واحد، ويخرج منه الغنة المركبة في جسم النون والتنوين والميم.

هناك ثلاثة طرق أساسية لترتيبِ الحروف العربية: منها الترتيب الصوتي بحسب مخارجها كما هو مبين أعلاه، وأكثر من يعنى بذلك هم قُراء القرآن الكريم، كما رتبها الفراهيدي بحسب جهاز النطق، فكان الحرف الأول هو العين- لأنه من أقصى الحلق، ولذا سمى كتابه، وهو أول معجم شامل في اللغة العربية، ثم جعل الترتيب كما يلي: ع، ح، هـ، خ، غ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، ت، د، ظ، ذ، ث، ر، ل، ن، ف، ب، م، و، ي، ا،ء.

أما الترتيب الهجائي فقد نظمه نصر بن عاصم الليثي بتكليف من الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو يجمع الحروف المتشابهة، ولذلك يُعرف بالترتيب الأبتثي، أو الألفبائي، لأنه مرتب بهذه الطريقة: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي. يستخدم الترتيب الهجائي عادة من أجل ترتيب قوائم الأسماء، والكلمات خلال عملية فرزها، كونه يعتمد على الجمع بين الأحرف المتشابهة في الشكل، وكذلك يستعمل في ترتيب القواميس.

وأما الترتيب الأقدم فهو الترتيب الأبجدي الذي جاء من الحروف الساميّة في اللغة الفينيقية، وهي اثنان وعشرون حرفاً: أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ف، ص، ق، ر، ش، ت، ثم يُضاف إليها ستة حروف، تُعرف بالروادف، وهي: ث، خ، ذ، ض، ظ، غ، ولتيسير حفظها جُمِلَت في الكلمات التالية: أبْجَدْ، هَوَّزْ، حُطِّي،كَلَمُنْ، سَعْفَصْ، قَرَشَتْ، ثَخَذْ، ضَظَغْ. وقد تم إسقاط الحروف الستّة الروادف من الأبجديّة الفينيقيّة بسبب صعوبة نطقها وندرة ورود تلك الحروف في اللغات التي تنطق بها تلك الشعوب التي عاشت في المناطق الساحلية، وذلك بسبب اختلاف طبيعة حياتهم عن حياة أهل الصحراء.

وهذا الترتيب الأبجدي له أهمية خاصة تفوق الاستخدام اليومي للغة، لأنه يحدد ما يُعرف باسم حساب الجُمَّل، حيث يُعطى كلُّ حرف قيمة عددية، من واحد إلى تسعة، ثم بحسب مرتبته في الآحاد والعشرات والمئات والألوف، كما هو موضح في الجدول التالي:

 

1

2

3

4

5

6

7

8

9

آحاد

ا

ب

ج

د

ه

و

ز

ح

ط

عشرات

ي

ك

ل

م

ن

س

ع

ف

ص

مئات

ق

ر

ش

ت

ث

خ

ذ

ض

ظ

ألوف

غ

-

-

-

-

-

-

-

-

فمثلا القيمة الرقمية لحرف الواو تساوي ستة لأنها في الخانة السادسة لمرتبة الآحاد، بينما قيمة حرف السين هي ستين لأنها في نفس الخانة ولكن في مرتبة العشرات، وقيمة حرف الخاء تساوي ستمائة لأنها في الخانة السادسة من مرتبة المئات، ويتفرّد حرف الغين بقيمة الألف لأنه الحرف الوحيد في مرتبة الألوف. نحن لا نريد هنا أن نخوض في الحديث حول مشروعيته، ولكن لا شكَّ أنَّ هناك الكثير من وجوه الإعجاز القرآني وفق نظام حساب الجُمّل، والذي يُعدُّ من صميم اللغة العربية السامية.

هذه الطرق السابقة لترتيب الحروف لا تلبي غرضنا في المقارنة مع الجسيمات الأولية كما رأينا في الفصل الأول، ومن أجل ذلك لا بد من دراسة تفصيلية لمخارج الحروف والكيفية التي يتم بموجبها حدوث الأصوات في تلك المخارج، كما فعل ابن سينا وصفه للأصوات العربية من منطلقاتٍ تشريحية، مستخرجاً الكثير من المقارنات والمقابلات بين الحروف والأزواج المتناظرة فيها، حيث اعتبر مثلاً أن "نسبة الباء إلى الفاء عند الشفة نسبة الهمزة إلى الهاء عند الحنجرة".[13]

نحن لا نستطيع في هذا البحث الموجز إنجاز مثل هذه المقارنات التفصيلية، ولكن مقارنة سريعة في هذا الخصوص يمكن أن نستخلصها بسهولة من مجرد النظر في تقارب الحروف من حيث طريقة نطقها في اللفظ أو رقمها في الكتابة، وبناءً على هذه المقارنة يمكن ترتيب الحروف وفق الجدول التالي وفق أيام الأسبوع – ستة للأبعاد الزمانية الداخلية، من الأحد إلى الجمعة، وواحد للزمن الخارجي، وهو يوم السبت تحديداً، كما فصلنا ذلك في الدراسات التي أشرنا إليها في أول هذا البحث. ونلاحظ من هذا الجدول بعض أوجه التناظر مثلا بين السين والشين، والفاء والقاف، والصاد والضاد.

الطبيعة

السبت

الأحد

الإثنين

الثلاثاء

الأربعاء

الخميس

الجمعة

#

0

1

2

3

4

5

6

1

ا

ب

ت

ح

ج

س

ص

2

ي

ن

ث

خ

ك

ش

ض

3

و

ط

ف

ل

ر

د

ع

4

هـ

ظ

ق

م

ز

ذ

غ

 

3.    الفصل الثالث – نظرية الجوهر الفرد والخلق في ستة أيام:

يهتم بعض الفلاسفة وعلماء الكون وعلماء الكلام باللغة العربية ومفهوم الكلام وعلم الحروف، باعتبار أن الكون ما هو إلا كلمات الخالق المؤلفة من حروف - سواء مسموعة أو مكتوبة - تنبثق عنها أعيان الموجودات في الكون بأسره. وكما يخلق الله سبحانه وتعالى المفردات الوجودية في الكون بكلمة "كن" كذلك يخلق الإنسانُ الصورَ المعنوية في ذهن السامع أو القارئ من خلال الكلام وتأليف الحروف مع بعضها البعض. أثبتنا في دراسات وأبحاث سابقة[14] أن ذلك يتفق بشكل كبير مع النظريات الفيزيائية التي تحاول تفسير بنية الكون على شكل أوتار دقيقة تُنتج نغمات اهتزازية محددة، تظهر في الوجود على شكل الإلكترونات والبروتونات والجسيمات الذرية الأخرى.

فالكون كّله كلمات الحق التي لا تنفد، وتلك الكلمات متكوّنة من الحروف الناتجة عن الاهتزازات المختلفة للأوتار التي تشكّل كلَّ شيءٍ في الوجود، كما أنّ المعاني التي يخلقها المتكلم في ذهن المستمع هي مجموع الحروف التي تصدر عن الحبال الصوتيّة في الحنجرة. ويعطي الشيخ محي الدين ابن العربي أهميّة خاصةً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي يمكن أن تكون مفتوحةً مثل السين واللام أو مغلقةً مثل الميم والواو، أو مستقيمةً مثل الألف، أو نصفَ دائرية مثل النون والقاف؛ وذلك على غِرار اهتزازات الجسيمات الأوّليّة في نظريّة الأوتار الفائقة التي بدأت تتطور في الثمانينيات من القرن الماضي.

كذلك نجد أنّ ابن العربي يقسم حروف الأبجدية أيضاً بين أربعة حقائق وجوديّة: الحقّ والملائكة والجنّ والبشر، وذلك وفق أربعة مستويات من الاهتزازات حسب درجات الحريّة، أو الأبعاد، وهي: صفر بُعد، بُعدٌ واحدٌ، بُعدَين، وثلاثة أبعاد؛ على التوالي. فالمستوى الأول هو كتابة النقطة وهو يماثل خلق العقل الأول، أي ظهوره من الغيب إلى الشهادة، والمستوى الثاني خلق الأرواح النورية أي الملائكة (فهي كالنور في بعد واحد)، والمستوى الثالث خلق الأرواح النارية أي الجنّ (فهي كالطاقة أو الحرارة في بعدين) والمستوى الرابع خلق الإنس في ثلاثة أبعاد. وبذلك يمكن مقارنتها مباشرة مع الأجيال الثلاثة للفيرميونات بالإضافة إلى البوزونات كما رأينا في الفصل الأول.

وبنفس الطريقة فإنّ السمع يستند إلى أربعة حقائق تتجلى في علم الموسيقى في أربعة نغمات هي: العجز (الوتر السميك أو البم)، الزير (الوتر الأعلى)، المثنّى، والمثلّث، وكلُّ واحد منها يحرّك النفْس على نحوٍ خاصٍّ مما يسبّب أحاسيس السعادة والحزن.

أ‌.        الكلام الإنساني والكلام الإلهي:

إنَّ الكلام من حيث إطلاقُه وأصالتُه هو صورة علم المتكلم بنفسه أو بغيره، والمعلومات حروفه وكلماته، وهي لا تظهر من الوجود الغيبي إلى الوجود العيني إلا في مادة حاملة وصورة تتحقق بها هذه المادة، فيتشخص في الخارج، مثلاً على شكل حروف مكتوبة أو منطوقة، حتى يدرك القارئ أو السامع ما في نفس الكاتب أو المتكلم من معلومات. وهذه المعلومات، من حيث ارتسامُها في نفس العالِم بها، هي حروف باطنة، باعتبار كلٍّ منها على انفراده، وكلمات باطنة باعتبار كلِّ حقيقة مع ما يتبعها من الصفات واللوازم. أما حينما تظهر هذه الحقائق في الوجود العيني منفردة ومنفصلة عن بعضها البعض، فهي حروف ظاهرة، فإذا وقع بينها التركيب والتأليف الذي هو عبارة عن ظهور اتصال اللوازم بالملزومات لإيصال ما في باطن المتكلم إلى السامع المخاطَب، فهي حينئذ كلمات ظاهرة.

فالكلام، بفرعيه الإلهي والكوني (الإنساني وغير الإنساني)، هو غيبٌ يتعيَّن من باطن المتكلِّم بالحروف المتعقَّلة أوَّلاً، ثم المتخيَّلة، ثم الحسِّية الظاهرة في عالم الشهادة. والحروف تتعين وتظهر حرفيتها بغاياتها، وغاياتها هي حدودها (فالحرف هو الحد)، وهو منتهى التقاطع في المخارج. والنَّفَس الذي هو المادة التي تظهر من خلالها هذه الحروف، هو معنىً مطلق، وصورته العامة في النطق الإنساني هو الصوت الذي يفصِّله اللسان. وبالتالي فإنَّ مخارج الحروف في التحقيق هي مراتب معقولة، وتكون مظاهرها في الإنسان هي المحالُّ التي تتعين فيها أعيان الحروف من الباطن إلى الشفتين، كالصدر والحلق والحنك واللهاة واللثة والأسنان والشفتين، وفي كلِّ مرتبة من مراتب هذه المخارج المذكورة مراتب تفصيلية تنتج عنها حروف محددة كما بيّنّاه في الفصل الثاني.

فالقوة النطقية تنبعث بالإرادة من الباطن بواسطة النَّفَس والصوت الذي هو صورته فتمرُّ على المخارج وتتعين باللسان والتقاطع في كلٍّ منها، لتوصيل بعض ما في نفْس المتكلم إلى المخاطَب، مما تعذَّر على المخاطَب معرفته دون تعريفه بهذا النوع من الكلام، أو ما يقوم مقامه من الرقوم والحركات والإشارات.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النحل: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فهو سبحانه يخلق بالكلام، فكلامه خلق. ويقول سبحانه في سورة الكهف: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).

فالحروف والكلمات الرقمية (المكتوبة) هي مظاهر للحروف والكلمات اللفظية المنطوقة، والحروف والكلمات اللفظية هي مظاهر للحروف والكلمات الذهنية، والحروف والكلمات الذهنية هي مظاهر للحروف والكلمات العلمية، وبما أنَّ مرتبة الإمكان، بما حوته من الممكنات، هي الغيب الإضافي بالنسبة إلى غيب الذات المطلق، ولها الظلمة، في حين أنَّ الممكنات تتعين في نور الوجود الذي هو صورة غيب الذات الذي لا يُعلم ولا يُسمَّى ولا يُشهد شهود إحاطة ولا يوصف، وهذه الممكنات تظهر بالحق، وفيه، من كونه نوراً ووجوداً، وهو سبحانه لا يتقيَّد ولا يتميَّز، وحيث أن صور الموجودات من حيث الجملة هي صورة حضرة علمه ومظهراً لحقيقة نفسه، ومن حيث التفصيل هي مظاهر كلماته النفسية الرحمانية، فمن أجل ذلك إنَّ المثال الواقع في الوجود (وهو العالَم الكبير والإنسان الكامل) مطابق ومناسب للأصل الإلهي المذكور.

ب‌.   المضاهاة بين العالم والإنسان وبين الإنسان والحضرة الإلهية:

يقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في كتاب التدبيرات الإلهيّة، إنَّ ما من شيءٍ خلقه الله سبحانه وتعالى في الإنسان إلا وله ما يناظره في العالم المحيط، حتى كأنّ العالَم إنسانٌ كبير والإنسانَ عالَم صغير، فإنَّ الله خلق الإنسان على صورته،[15] كما أنه سبحانه وتعالى خلق العالَم وكُلّ شيء فيه على صورة الإنسان (الفتوحات المكية: ج2ص652س25)، أي إنَّ جميع الصفات الإلهية (بما فيها السمع والكلام) تكون صفات أساسيّة في الإنسان وخاصة الإنسان الكامل، الذي هو بمثابة روح العالم، كما أن الحق سبحانه وتعالى بمثابة روح الإنسان (الفتوحات المكية: ج3ص343س25). ثم يبيِّن الشيخ الأكبر أنّ الله سبحانه وتعالى لما أراد ان يخلق العالم، خلق في العماء الذي هو نَفَس الرحمن عدداً غير معيَّن من الأرواح المهيَّمة (أي الهائمة في الله بحيث لا تعرفُ شيئاً سواه، فهم لا يَعرفون حتى أنفسهم) ثم أيَّه (أي عيّن أو خصّص) أحد هذه الأرواح ومنحه تجلّياً علميّاً خاصّاً من المعرفة القدسية أدّى إلى انتقاش ما يريد الله أن يخلقه في العالَم إلى يوم القيامة.

وبما أنّ هذا الروح عَقَلَ عن الله ما يريده منه، فلذلك سمّي العقل الأوّل، ولما بدأ بإظهار ما أراد الله منه سمّي القَلَمَ الأعلى أو القَلَمَ الأوّل لأنه يفعل ذلك بالكتابة بطريقة تشبه تماماً الكتابة العادية حقيقةً لا مجازاً، فلمَّا تجلى الله سبحانه وتعالى لهذا العقل الأوّل رأى العقلُ لنفسه ظلاًّ بسبب نور التجلي، فكان ذلك الظلّ نفسُهُ التي أصبحت تُدعى النَّفْسَ الكلّيّة أو النفس الأولى، وكذلك تُدعى اللوح المحفوظ لأنه سيكتبُ فيها ما يريد الله أن يخلقه إلى يوم القيامة؛ وبالتالي فإنّ العالَم يظهر من خلال الكتابة المستمرة من قِبَل العقل الأوّل في هذا اللوح المحفوظ، ولذلك فإنّ العالَم هو كلمات الله التي لا تنفد والتي تظهر في النفس الكليَّة بواسطة هذا القلم الأعلى.

ت‌.   نظريّة الأوتار الفائقة وعلم الحروف:

في النموذج التقليدي للفيزياء تُعتبر الجسيمات الأوّلّية كنقاط أو كرات صغيرة تتحرّك ضمن أبعاد المكان والزّمان الأربعة، ويمكن إضافة أبعاد أخرى مجرّدة للأخذ بعين الاعتبار بعض الخواص المختلفة مثل الكتلة والطاقة وغيرها. لكنّ هذا النموذج التقليدي أدّى إلى تناقضاتٍ واضحةٍ بين نظريّة النسبية ونظريّة الحقول الكمّية التي تعتمد على الخواصِّ الموجيّة للمادة.

من أجل ذلك بدأ العلماء يبحثون عن بدائل، فظهرت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي نظريّة جديدة تفترض أنّ كلّ الجسيمات الأوّلّية يمكن أن تُمثَّل بأوتار دقيقة (super-strings) بدلاً من الكرات؛ وهذه الأوتار قد تكون مغلقة على بعضها مثل الحلقات أو مفتوحة مثل الشعرة، وتمثّل الأنماط الاهتزازية المختلفة للوتر أنواع الجزيئات المختلفة مثل الإلكترون والبروتون والفوتون.

ولدى المقارنة الدقيقة نجد أنَّ هناك بعض التشابه العميق والمثير بين مبادئ نظريّة الأوتار الفائقة وعلم الحروف أو ما يسميه ابن العربي بعالَم الأنفاس. فابن العربي، وكذلك صدر الدين القونوي، يعدّ العالَم كتاباً نحن كلماتُه التي تنطلق من نَفَس الرَّحمن (الفتوحات المكية: ج1ص366س1، ج2ص403س21, ج2ص459س6)، تماماً مثل المعاني التي نخلُقُها نحن من خلال الكلمات التي نتكلّم بها والتي تتألّف من هذه الحروف الأبجديّة. ففي الباب الثاني من الفتوحات المكيّة يوضّح ابن العربي بعض التفاصيل حول الأهميّة الكونيّة لكلّ حرف وكيف يخرج إلى العالَم وما هي أنواع الاهتزازات التي يحملها والأفلاك السماويّة المختلفة التي تساهم في إنتاجه. ثمّ في الباب الطويل 198 الذي خصّصه لمعرفة النَفَس يذكر ابن العربي بعض الحقائق المثيرة حول هذه المعاني الكونيّة للحروف والأصوات ثمّ يوضّح دورَ كلّ اسم إلهي في خلق الأجزاء المختلفة للعالَم والحروف المختلفة من الأبجدية.

وكمثال بسيط حول عالَم الحروف وأهميّته نذكر هنا حرف الألف وهو الحرف الأوّل في الأبجديّة العربيّة، وابن العربي يعدّ هذا الحرف مماثلاً بشكلٍ رمزيٍّ للجوهر الفرد، أو العقل الأول، ليس فقط لأنّه أوّل حرفٍ ولكن أيضاً لأنّه أقرب شيء إلى النَفَس كما أنّ العقل الأول أقرب مخلوق إلى الحقّ. ولكنّ ابن العربي يصرّح بأنّ حرف الألف ليس في الحقيقة من الحروف، بل هو أساسها، تماماً كما أنّ الرقم واحد ليس من الأعداد بل هو أساسها (الفتوحات المكية: ج1ص65س23). لكنّ ابن العربي يضيف أنّ جميع الحروف (مثل العالَم) تتحلّل إلى حرف الألف وتتركّب منه، في حين أنّه هو لا يتحلّل إلى غيره (الفتوحات المكية: ج1ص78س22)، فهذا يعني أنّ حرف الألف موجودٌ في كلّ حرفٍ أو كلمةٍ، مثل الجوهر الفرد فهو أيضاً موجود في كلّ شيءٍ في العالَم أو أنّ كلَّ شيءٍ مركّبٌ منه. كذلك كلُّ الكلمات والحروف مركّبة من حرف الألف، كما أنّ كلَّ الأعداد مركّبة من الرقم واحد. في الحقيقة إنّ أيّ صوت يخرج من الفم لا بدّ أن يبدأ بحرف الألف لأنّه ببساطة هو بداية خروج النفَس من الحنجرة.

فالكون كّله كلمات الحق وتلك الكلمات متكوّنة من الحروف أو الأصوات التي تخرج من نَفَس الرَّحمن؛ فهذه الحروف هي الاهتزازات المختلفة للأوتار التي تشكّل كلّ شيءٍ في الوجود، كما أنّ المعاني التي نخلقها في ذهن المستمع هي مجموع الحروف التي تصدر عن الحبال الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي يمكن أن تكون مفتوحةً مثل السين واللام أو مغلقةً مثل الميم والواو، أو مستقيمةً مثل الألف، أو نصفَ دائرية مثل النون؛ وذلك على غِرار الجسيمات الأوّليّة في نظريّة الأوتار الفائقة.

فالعالَم هو الكتاب الذي يكتب فيه القلم الأعلى كلمات الله سبحانه وتعالى؛ فمفرداتها هي الصور والأشياء الموجودة وحروفها هي الذرّات والجسيمات الأوّلية المؤلّفة من اهتزازات مثل الأصوات العاديّة التي تنتجها الحبال الصوتيّة التي تُنتج الحروف والكلمات في لغتنا التي ننطق بها.

ث‌.   علاقة الحروف بأبعاد الزمان الداخلية والخارجية:

بالنظر إلى جدول ترتيب الحروف وفق النظام الأبجدي، كما شرحناه الفصل الثاني أعلاه، نستطيع بسهولة إيجاد رابط قوي بين هذا الترتيب وترتيب الجسيمات في النموذج القياسي الذي ذكرناه في الفصل الأول؛ فأولا نلاحظ أن الفروق في الكتلة بين الأجيال الثلاثة للجسيمات يتناسب بشكل قوي مع ترتيب الحروف على الآحاد والعشرات والمئات، فمثلاً في حين أنَّ كتلة الإلكترون تساوي حوالي نصف ميغا (إلكترونفولت)، تساوي كتلة نظيره الميون حوالي مئة ميغا، بينما نظيرهما التاو كتلته حوالي 1777 ميغا، في حين نجد مثلاً أنَّ جسيم الهيغز كتلته أكبر بكثير من جميع الجسيمات الأخرى، وهي من مرتبة المئة جيغا، أي مئة ألف ميغا، وهو الجسيم الوحيد في هذا المستوى الثقيل، وذلك مثل قيمة حرف الغين وهو الحرف الوحيد في مرتبة الألوف. وهكذا فإنَّ أفضل طريقة لفهم هذا التناظر هي ربطه بالأبعاد، بحيث يمكن أن نقول على وجه التقريب أن الإلكترون هو مثل حلقة، وهي خط مغلق، بينما نظيره الميون هو مثل كرة مفرغة، أو مسطح مغلق، بينما التاو هو كرة مصمتة. فالأول في بعد واحد، والثاني في بعدين، والثالث في ثلاثة أبعاد، ولذلك تزيد الكتلة بشكل كبير ومضطرد مع زيادة عمق الأبعاد، وهذا الاستنتاج ربما لا يكون مدعوماً بدراسة علمية كافية، ولكن يمكن الوصول إليه بسهولة عن طريق الاستقراء.

بناءً على ما سبق، يبدو أنَّ نظام تشكيل الجسيمات الأوّلية ونظام مخارج الحروف في اللغة العربية، يرتبط بشكل وثيق بأيام الأسبوع ومنازل القمر، وذلك لأن هذه الأيام هي التي خلق الله تعالى فيها (السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، من يوم الأحد إلى يوم الجمعة، (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) يوم السبت، ومهما يبدو الأمر خيالياً والربط بعيداً، إلا أنّ الغرابة قد تزول إذا ما علمنا أنَّ اليوم هو الجهة، فالأيام الستة هي الجهات الستة التي تشكِّل الأبعاد الثلاثة للمكان، ويوم السبت هو الزمان، لأنّه حالة الاستواء. ثم نضيف إلى ذلك أن هذا الخلق في ستة أيَّام ليس حدثاً واحداً في بداية الخلق، بل هو خلق جديد يحدث الآن وفي كلِّ آن، كما قال تعالى في سورة ق (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [15])؛ فالآن مثلاً هناك يوم كامل يحيط بالأرض بحيث يكون صباحاً في مكان ومساءً في مكان آخر، ثم يمتد ذلك شرقاً وغرباً، في يومين للأرض، وأعلى وأسفل في يومين للسماء، ومن مجموعهما مع الاشتراك خُلقت الأجسام في أربعة أيام. ونجد تفصيل هذا الكلام المجمل في سورة فُصِّلت بقوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ [10] ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [11] فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [12])، ثم قال العزيز العليم في سورة يس (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [38] وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [39])، وذلك بمضاعفة الأيام السبعة أربع مرات، بحسب مراتب العناصر الأربعة التي تشكّلت من تركيب الزمان، فيكون المجموع ثمانية وعشرين يوماً هي منازل القمر الأصلية، تنتج عنها الحروف الثمانية والعشرين، الرئيسية، ثم يضاف لها الحرف المركب "لام ألف" وهو عبارة عن تداخل عالم الغيب مع عالم الشهادة، إضافة إلى الهمزة التي يعدّها بعض العلماء نصف حرف، فيكون من مجموع ذلك الشهر القمري، تماماً كما هو الأمر بالنسبة لعدد الجسيمات الثمانية والعشرين المذكورة أعلاه، بالإضافة إلى الهيغز، ثم الغرافيتون المتوقع وجوده نظريا.

لا شكَّ أن هذا الأمر الدقيق يحتاج إلى مزيد من الشرح والتفصيل، مما لا يسع ذكره في هذ المقال المقتضب، ولكن مهما يبدو الأمر غريباً وبعيداً، نستطيع بسهولة أن نستشعر مما سبق وجود علاقة عميقة بين عدد الحروف، وعدد الجسيمات، ومنازل القمر الثمانية والعشرين، ثم تقسيماتها الداخلية، حيث نرى كذلك من خلال هذه الجداول أعلاه، أنَّ الجسيمات تنقسم إلى ستة ليبتونات وستة كواركات، والتي تتضاعف إلى أربع مجموعات لوجود الجسيمات المضادة، وهذه المجموعات نستطيع مقارنتها بالأيام الستة التي تشكل أبعاد المكان الثلاثة، لأنَّ هذه الجسيمات هي التي تعطي المادة شكلها الفيزيائي وكتلتها كما هو معروف، في حين أن البوزونات الأربعة هي جسيمات زمانية لأنها مسؤولة عن نقل الطاقة (والطاقة ترتبط بالزمن كما هو معروف أيضاً)، ففي المحصلة هناك أربع مجموعات كلٌّ منها تحوي ستة فيرميونات تناظر أيام المكان الستة، يليها أربعة بوزونات كل واحد منها يناظر يوم السبت، في الدورات الأربعة التي تعطي الشهر، ويوم السبت هو يوم الزمان، لأنه يوم الاستواء، وهو يوم الأبد الذي تحدث فيه جميع الأيَّام (بما فيها يوم السبت نفسه!)، كما وضحنا ذلك في كتاب "أيام الله".

إضافة إلى ما سبق، يعطي الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي أهميّة خاصةً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وطريقة تقوّسها، فهي يمكن أن تكون مفتوحةً مثل السين واللام أو مغلقةً مثل الميم والواو، أو مستقيمةً مثل الألف، أو نصفَ دائرية مثل النون والقاف؛ وذلك على غِرار اهتزازات الجسيمات الأوّليّة في نظريّة الأوتار الفائقة التي بدأت تتطور في الثمانينيات من القرن الماضي.

إنَّ الحروف العربية بأقسامها المختلفة، من حيث نطقُها ورقْمُها، ترتبط بعلم الكون وبنيته ونشأته عن طريق التشابه الرمزي بين مراحل صدور الكلام الإنساني من القلب حتى يظهر في العالَم الخارجي على شكل حروف وكلام منطوق أو مكتوب، وكلُّ ذلك يترتبط بالكلام الإلهي الذي ما هو إلا أعيان الموجودات في الكون بأسره. فالكون كلُّه من حيث مجموعُه ما هو إلا كتاب فيه أبواب وفصول وفقرات وجمل وكلمات وحروف، هي المجرات والنجوم والكواكب والجبال والرمال، والوجود الطبيعي كلّه رقٌّ منشورٌ، والكونُ فيه كتابٌ مسطورٌ. وكذلك الحروف العربية بأقسامها المختلفة، من حيث نطقُها ورقْمُها، ترتبط بعلم الكون وبنيته ونشأته عن طريق التشابه بين مراحل صدور الكلام الإنساني من القلب حتى يظهر في العالَم الخارجي عن طريق اللسان على شكل حروف وكلام منطوق، أو مكتوب، وكلُّ ذلك يرتبط بالكلام الإلهي الذي ما هو إلا أعيان الموجودات في الكون بأسره.

إنَّ هذا التناظر الكوني الرمزي بين الحروف والعالَم يصح سواء على مستوى الحروف المكتوبة أو المنطوقة، لأنّ القلم الأعلى (وهو العقل الأول) الذي يكتب في النفس الكّلية (وهي اللوح المحفوظ) ما يريد أن يخلقه الحقُّ في العالَم، فهذه الكتابة ينتجُ عنها أصواتٌ تسمى صريف الأقلام (الفتوحات المكية: ج3ص61س9)، وهي في الحقيقة هذه الاهتزازات الكونية للأوتار الفائقة (superstrings) التي تظهر في الوجود على شكل الجسيمات الأولية التي تؤلف ذرات الكون.

 

 

 

 

 



[1] ومن هؤلاء العلماء أبو الحسن الأشعري، وابن فورك الأصبهاني، وأحمد ابن فارس.

[2] زناتي، أنور محمود، زيارة جديدة للاستشراف، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2006 م، ص 25.

[3] الجندي، أنور، اللغة العربية بين حماتها وخصومها، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1963 م، ص 28.

[4] مجلة أفكار، دائرة الثقافة والفنون، الأردن، 2009، ص 130.

[5] مقدمة فقه اللسان لكرامت حسين الكنتوري. النصفان. مطبع نولكشور في بلدة لكهنو 1333.

[6] مجلة الفيصل، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، العدد 332، ص 54.

[7] لقد أوضح الشيخ محمد أحمد مظهر في مجموعة أبحاث نشرها تباعاً تحت عنوان (العربية أم جميع اللغات) ويسرد فيه مئات من الكلمات الأجنبية التي لها أصل عربي.

[8] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، دار الساقي، ط4، 2001: ج15ص158. وانظر أيضاً: تاريخ القرآن، عبد الصبور شاهين، نهضة مصر، ص105-106.

[9] برهان الحلبي، أبي الفرج نور الدين علي بن برهان الحلبي، السيرة الحلبية،ج 1-3، إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، ج1 ص28، دار الكتب العلمية -2013. وانظر كذلك: عبد العزيز حميد صالح، تاريخ الخط العربي عبر العصور المتعاقبة،ج 1-3، ج1 ص 26، دار الكتب العلمية - 2017.

[10] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، دار الساقي، ط4، 2001: ج15ص157.

[11] أنظر تعليقات شكيب أرسلان على تاريخ ابن خلدون ملحق الجزء الأول، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن ابن خلدون، دار الفكر، بيروت، ط 2- 1988، ص 525.

[12] مقدمة ابن خلدون، تحقيق: مصطفى شيخ مصطفى، مكتبة العصرية،, 2007، ص.

[13] ابن سينا: رسالة أسباب حدوث الحروف (دار الفكر - 1983)، ص: 64.

[14] أنظر مثلا البحث الذي ألقي في المؤتمر الدولي الثالث في تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، جامعة الشارقة: 5 - 7 ديسمبر 2017، وهو بعنوان ("Ibn al-Arabi's Theory of Creation in Six Days") وقد قبل هذا البحث للنشر في مجلة جامعة الشارقة للدراسات الإسلامية. كذلك نشرت بعض هذه الدراسات في كتب للمؤلف، منها كتاب: (أيام الله - مفهوم الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي للزمن والخلق في ستة أيّام)، وكتاب كتاب The Single Monad Model of the Cosmos: Ibn Arabi's Concept of Time and Creation – (June 28, 2014)، وكتاب: Ibn 'Arabî - Time and Cosmology (Culture and Civilization in the Middle East) by Mohamed Haj Yousef (Feb 25, 2011)، - London – New York. Routledge. ونشرت كذلك بعض الأبحاث في هذا الخصوص في مؤتمرات دولية مثل: "The First International Conference on the Concept of Time in Science, Philosophy and Theology", AlAin (24/2-4/3/2012), UAE University. Paper: Zeno Paradoxes in the View of Ibn Arabi's Concept of Time. ومؤتمر: "The Second Qunawi International Symosium", Konia (6-9/10/2011), Turkey, organized by II. ULUSLARARASI KONEVİ SEMPOZYUMU. Paper: The Secrect of Speaking (comparison with the Superstrings Theory).

[15] الفتوحات المكية: ج1ص163س20. وقد وردت أحاديث في الصحيحين وغيرهما (انظر في كنز العمال: حديث رقم 1141-1150 وحديث رقم 15129، وحديث رقم 1148 و13220)، ومعناه أنه أعطاه من الصفات ما يوجد مسمّاها عند الله عزّ وجلّ، لكنّ ذلك لا يعني أنّ الإنسان أو العالم مماثل لله تعالى (الفتوحات المكّيّة: ج1ص97س26)، وانظر أيضاً في الفتوحات المكية: ج1ص106س9، ج1ص200س8، ج1ص216س14.


 


Other Pages Related to Search Keywords:

  • ... Single Monad Model =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Duality Of Time =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Ultimate Symmetry =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Cosmology =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Space-time =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Spacetime =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Speed Of Light =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Supersymmetry =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Islamic Cosmology =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Ibn Al-arabi =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Mohamed Haj Yousef =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Complex Time =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


  • ... Imaginary Time =>:

  • ... ل الصوتيّة في الحنجرة. حتى إنّ ابن العربي يعطي أهميّة أيضاً للشكل المكتوب للحروف العربيّة وتقوّسها، فهي ...


Welcome to the Single Monad Model of the Cosmos and Duality of Time Theory
Forgot Password? - [Register]

Message from the Author:

I have no doubt that this is the most significant discovery in the history of mathematics, physics and philosophy, ever!

By revealing the mystery of the connection between discreteness and contintuity, this novel understanding of the complex (time-time) geometry, will cause a paradigm shift in our knowledge of the fundamental nature of the cosmos and its corporeal and incorporeal structures.

Enjoy reading...

Mohamed Haj Yousef


Check this detailed video presentation on "Deriving the Principles of Special, General and Quantum Relativity Based on the Single Monad Model Cosmos and Duality of Time Theory".

Download the Book "DOT: The Duality of Time Postulate and Its Consequences on General Relativity and Quantum Mechanics" or: READ ONLINE .....>>>>



Subsribe to Newsletter:


The science of Time is a noble science, that reveals the secret of Eternity. Only the Elites of Sages may ever come to know this secret. It is called the First Age, or the Age of ages, from which time is emerging.
Ibn al-Arabi [The Meccan Revelations: Volume I, page 156. - Trns. Mohamed Haj Yousef]
quote