Islamic Calligraphy

عندما يعجز العلم الحديث: الطاقة المظلمة والجوهر الخامس

نشر هذا المقال في العدد الرابع والسبعين من مجلة الإمارات الثقافية التي يصدرها مركز سلطان بن زايد.

تنزيل المقالة بصيغة pdf

الخلاصة:

تؤكد جميع الدراسات الحديثة والقياسات الدقيقة أنّ كلّ الكواكب والنجوم والمجرات، التي يمكن أن نراها في السماء، سواء بالعين المجردة أو عن طريق المراصد المختلفة، لا تشكل سوى خمسة بالمائة مما هو موجود بالفعل، في حين إنّ الجزء الأكبر من الكون لا نستطيع استكشافه أبداً لأنه لا يُصدر أيَّ ضوء، ولا يتفاعل مع المادة بأيِّ شكلٍ من الأشكال المعروفة لدينا، سوى الجاذبية، ولذلك يُسمى بالمادة المظلمة والطاقة المظلمة. أكثر النظريات الحديثة التي تحاول تفسير هذه الطاقة، ذات الضغط السلبي المعاكس للجاذبية، تعتمد على الحقول غير المتجهة، أو ما يسمى بالجوهر الخامس، وهي نفس الفكرة الفلسفية القديمة التي تفسر الطبيعة على أساس العناصر الأربعة التقليدية والأثير الذي نقضته النظرية النسبية.

كم هو حجم الكون؟

تقول الفكاهة أن رجلاً فقيراً أضاع حماره، فراح يبحث عنه في الحديقة، فوجد شاباً يجلس مع حبيبته، فلما اقترب منهما سمعه يقول لها: أنا أرى الكون كله في عينيك. فوثب الرجل وقال له: أرجوك أخبرني أين يختبئ حماري!

عندما تتحقق له بعض السعادة يشعر الإنسان وكأنه يملك الدنيا كلّها، ولكنَّ هذ الإنسان، الذي يعيش بطبيعة الحال في مكان صغير جداً على هذه الكرة الأرضية الكبيرة، لا يستطيع أن يتخيل حجم الكون الشاسع، وكم هو نفسه ضئيل جداً بالنسبة للكرة الأرضية أولاً، وكم هي نفسها ضئيلة أيضاً في المجموعة الشمسية، وكم هذه الأخيرة ضئيلة في المجرة، وكم المجرة أيضاً ضئيلة في هذا الكون الرحيب؛ وهذا كلُّه لا يتعدى خمسة بالمائة من الكون! لقد اختصر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله: "مَ السَّمَوَاتُ عِنْدَ الْكُرْسِيِّ إِلا كَحَلَقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلاةِ عَلَى الْحَلَقَةِ."

عندما ننظر إلى السماء في ليلة حالكة، خاصة إذا كنا في البادية، بعيداً عن ضوضاء أضواء المدينة؛ نستطيع أن نرى مئات الآلاف من النجوم المترامية في الفضاء العميق، والتي تتفاوت في أحجامها وأبعادها. ولا شك أن هناك أضعاف هذا العدد من النجوم التي لا يمكن أن نراها بالعين المجردة، لشدة بعدها، أو لأنها محجوبة بأضواء النجوم الأخرى. ومع ذلك فقد أثبتت المراصد منذ فترة طويلة أنَّ الكثير من هذه النقاط الخافتة، التي يمكن أن نراها في السماء، هي في الحقيقة مجرّات أخرى كبيرة كمجرّتنا، ولكنّنا نراها صغيرةً جداً فقط لأنها تقع على بُعد سحيقٍ جدّاً في عُمق هذا الفضاء الرحيب.

بسبب تأثير قوة الجاذبية، فإن كُلّ شيءٍ في السماء يتحرّكُ، أو يدور حول نقطةٍ ما في الفضاء، كما قال الله تعالى في سورة يس (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [40])؛ فالقمرُ يدور حول الأرض، والأرض مع قمرها والكواكب الأخرى يدورون حول الشمس، والشمس أيضاً مع كواكبها تدور، مع مئات الآلاف من ملايين النجوم الأخرى، حول مركز مجرة درب التبّانة، التي تُعتبر إحدى مئات الآلاف من الملايين من المجرات التي تسبح جميعها في أعماق الكون.

لكي نستطيع أن نعطي صورة فراغية مبسطة لهذا الكون الهائل، من الأفضل استعمال وحدات كبيرة لقياس المسافة بدلاً من أن نستعمل أعداداً كبيرة لا يمكن كتابتها على الورق وفق مقايسنا اليومية. إنّ أفضل الوحدات المقبولة للمسافة في علم الكون هي السنة الضوئية وهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة، وتعادل تقريباً 9,500,000,000,000,000 متراً (أي حوالي عشرة آلاف مليون مليون متر، أو عشرة ملايين مليار متر).

إنّ الضوء الذي يسيرُ بسرعة 300,000 كيلومتراً بالثانية يُمكنُه أن يدور حول الأرض سبع مرّات في الثانية الواحدة، لكنّه يستغرقُ أكثر من ثمانية دقائق حتى يصلن من الشمس، التي تبعد عنا حوالي 150 مليون كيلومتر، في حين أنّ النجم الأقرب إلين ما عدا الشمس، وهو نجم القنطوري، يبعد عنا أكثر من أربعة سنين ضوئية. من جهة أخرى فإنّ مجرّتنا، مثلها مثل أكثر المجرّات الأخرى، عبارة عن مجموعة من حوالي 200 ألف مليون نجم، بالإضافة إلى آلاف العناقيد والسدم، التي تُشكّل سويّة قرصاً حلزونياً يبلغ قطره أكثر من مئة ألف سنة ضوئية، وسمكه حوالي خمسة عشر ألف سنة ضوئية، والمجرّة الأقرب إلينا تكمنُ في برج المرأة المسلسلة، وهي تبعد مسافة حوالي ثلاثة ملايين سنة ضوئية عن مجرّتنا. ثمّ هناك مجموعات من المجرّات مُجمّعة في عناقيد غير منتظمة تختلفُ كثيراً في الحجم بين الملايين إلى مئات ملايين من السنين الضوئية. وتعتبر الكوازارات، وهي نجوم فلكية راديوية بعيدة جدّاً، من أبعد الأجسام حتى الآن، وتبعد حوالي 13 ألف مليون سنة ضوئية. وهذه الأعداد التي قدّمناها هنا هي أعداد تقريبية فقط لإعطاء فكرة عن موقعنا من هذا العالم الرحب الفسيح.

ومن المعروف أيضاً اليوم أنّ كل شيء في الكون يتحرّك: فالنجوم القريبة تتحرّك نحو مركز المجرة ولكنّ حركتها لا تُدرك بالعين المجرّدة. والمجرات تبتعدُ عن أيضاً، لأنّ الكون يتوسّعُ. من الناحية الأخرى، وعلى الرغم من هذه الحركات، والمسافات الساحقة، فإن الكون رغم أنّه متناهٍ، ولكن ليس له مركز أو حدود ول حافّة. من الصعب تخيُّل ذلك، ولكنّ الكون محتوىً في نفسه، أو محدّب على نفسه، بحيث لو أننا سافرنا مباشرة في اتّجاهٍ واحدٍ وخطٍّ مستقيمٍ فإننا سنعود إلى نفس المكان من الجهة الأخرى (إذا عشنا بما فيه الكفاية)، تماماً كما يحدث على سطح الأرض: أنّ من يسير مثلاً غرباً بخطٍّ مستقيمٍ سوف يصل من جهة الشرق لنفس النقطة التي انطلق منها، مع إهمال التغيرات الجغرافية بالنسبة للأرض والتغيرات الجاذبية بالنسبة للكون، من أجل التقريب.

كل ما سبق يمكن رؤيته في الفضاء، إما بالعين المجردة، أو بالمراصد الضوئية، أو بالمراصد غير الضوئية التي تعتمد أنواعاً أخرى من الأشعة الراديوية والسينية. لكن الغريب أن الحسابات الدقيقة للتأثيرات الجاذبية التي تحكم حركة هذه النجوم والمجرات تؤكد وجود أنواع أخرى من المادة والطاقة التي لها تأثير جاذبي ولكنها لا تصدر أي نوع من الإشعاع، بحيث لا يمكننا رؤيتها بأي نوع من المراصد، وهي ما أصبح يعرف بالمادة المظلمة (dark matter) والطاقة المظلمة (dark energy).

 

المادة المظلمة والطاقة المظلمة:

إن قضية تمدد الكون أمر مفرغ منه، فلا أحد يشك أن الكون يتوسع، ولكن في عام 1998، وعلى أساس نتائج رصد ما يعرف بالمستعرات العظمى من نوع 1-أ، تبين أن الكون يتوسع بشكل متسارع. ولقد كان لهذه النتائج أصداء كبيرة أدت إلى منح جائزة نوبل لبعض العلماء الذين كان لهم السبق في هذا الاكتشاف.

بعد ذلك تم تأكيد هذه النتائج عن طريق دراسات أخرى مستقلة، مثل قياس إشعاع الخلفية الكونية الميكرووي، والعدسات الجاذبية، وقياس بنية الكون من منظار واسع، فضلاً عن قياسات جديدة خاصة بالمستعرات العظمى من النوع 1-أ، والتي تعتبر مقاييس معيارية لتقدير المسافات الكونية بسبب ثبات شدة إضاءتها.

لقد أكدت أحدث هذه القياسات أن الكون يحتوي طاقة مظلمة بنسبة 71.3٪، والباقي هو مزيج من المادة المظلمة والمادة العادية بنسبة 27.4٪، وبواقع 22.7٪ من المادة المظلمة، و 4.5٪ من المادة العادية، كما هو موضح في الشكل التالي:

الطاقة المظلمة هي شكل من أشكال الطاقة الافتراضية التي تملك ضغطاً سالباً يعطي تأثيراً معاكساً للجاذبية على مستوى الأبعاد الفلكية، وهو ما يتوافق مع النظرية النسبية العامة التي تعتبر أفضل نظرية يمكنها شرح تطور الكون وتشكيله. بحسب هذه النظرية، فإن المادة هي التي تعمل على خفض سرعة تمدد الكون من خلال خواصه الجاذبية، أما الطاقة المظلمة فتعمل على تسريعه لأن لها مفعول معاكس للجاذبية.

هناك شكلان مقترحان للطاقة المظلمة: الأول هو الثابت الكوني الذي أضيف إلى معادلات النظرية النسبية، وهو يعطي كثافة طاقة ثابتة تملأ الفضاء بشكل متجانس. والثاني هو ما يسمى بالحقول العددية، مثل الجوهر الخامس، والتي تعطي كثافة طاقة متغيرة حسب الزمان والمكان. وكلا النموذجان يشتملان على وجود طاقة مظلمة ذات ضغط سالب.

العناصر الأربعة والجوهر الخامس:

عندما يعجز العلم الحديث لا بد له أن يرجع إلى الفلسفة القديمة، فأفضل الفرضيات التي يمكن أن تفسر الطاقة المظلمة هي ضرورة وجود الجوهر الخامس، وهو ما يسمى (quintessence)، وهو نفسه الأثير (aether) الذي استثنته النظرية النسبية تماماً، حيث أن جميع التجارب التي حاولت إثبات وجود الأثير وتأثيره على سرعة الضوء أعطت نتائج سلبية، مما أدى إلى فرض مبدأ ثبات سرعة الضوء الذي أدى بدوره إلى النظرية النسبية الخاصة عام 1905، ثم النسبية العامة التي رأت النور بعد عشر سنوات.

المشكلة هي أن هذه النظرية النسبية قد أثبتت جدارتها بالفعل على مستويات كثيرة، وجميع الدراسات الحديثة الخاصة بعلم الكون والفضاء تعتمد بشكل أساسي على هذه النظرية، خاصة بعد الاكتشافات الأخيرة فيما يتعلق بالأمواج الجاذبية الناتجة عن الثقوب السوداء، والتي تم قياسها بالفعل سنة 2016 بعد أن تنبأت بها النظرية النسبية منذ أكثر من مئة سنة. لكن العلماء يعلمون أيضاً أن هذه النظرية ناقصة، وذلك لأنه تتناقض بشكل مباشر مع ميكانيك الكم، الذي أثبت جدارته هو الآخر في تفسير جميع الظواهر الخاصة بالذرة والجسيمات الأولية، خاصة بعد إثبات وجود جسيمات هيغز في مفاعلات سيرن سنة 2012 بعد عدة عقود من تنبؤ نظرية الحقول الكمية بها سنة 1964.

إن من أهم ما يميز نظريات الحقول المكممة، هو ضرورة وجود طاقة للفراغ، تشبه إلى حد كبير فكرة الأثير التي كانت شائعة في الفلسفة القديمة، واستمرت حتى القرون الماضية قبل أن تنسفها النظرية النسبية بشكل كامل. وبالتالي فإن القبول بوجود الجوهر الخامس يؤدي إلى العودة مرة أخرى إلى العناصر الأربعة التقليدية، وهي التراب والماء والهواء والنار، والتي أصبحت شيئاً من الماضي بعد النجاحات الكبيرة في تصنيف العناصر وفق جدول ماندلييف وتفسير بنية الذرة وبنية النواة.

لقد نوهنا في مقال سابق نشر في العدد 54 من هذه المجلة، بعنوان "الزمان المتجمد" أن مفهوم الزمن عند الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي يمكنه أن يوفق بشكل أنيق بين النظرية النسبية والنظرية الكمية، ويفسر الكثير من المعضلات القائمة في العلم الحديث، بما في ذلك الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، خاصة وأنه يعتمد بشكل أساسي على نظرية وحدة الوجود، وهي نظرية الجوهر الفرد، وهو نفسه هذا الجوهر الخامس الذي أصبح الملجأ الأخير لعلماء الكون بعد استنفاذ جميع الفرضيات الأخرى.


 

Message from the Author:

I have no doubt that this is the most significant discovery in the history of mathematics, physics and philosophy, ever!

This unique understanding of geometry will cause a paradigm shift in our knowledge of the fundamental nature of the cosmos and its corporeal and incorporeal structures.

Enjoy reading... , all the Best !

Mohamed bin Ali Haj Yousef



The science of Time is a noble science, that reveals the secret of Eternity. Only the Elites of Sages may ever come to know this secret. It is called the First Age, or the Age of ages, from which time is emerging.
Ibn al-Arabi [The Meccan Revelations: Volume I, page 156. - Trns. Mohamed Haj Yousef]

Ibn al-Arabi Website:


The Meccan Revelations:


The Sun from the West:


عربي Arabic

Social Sharing

Like Our Facebook Page:
SINGLEMONAD

Like Our Facebook Page:
IBNALARABICOM


Like this Page on Facebook:

Select any TEXT to Tweet it!

My soul is from elsewhere, I'm sure of that, and I intend to end up there.
Jalaluddin Rumi [The Essential Rumi - trns. Coleman Barks]
quote