Islamic Calligraphy

فلسفة الجمال والنسبة الذهبية في الطبيعة: أثر الرياضيات والهندسة العددية على بنية المخلوقات الطبيعية والأعمال الفنية

نشر هذا المقال في العدد الثاني والسبعين من مجلة الإمارات الثقافية التي يصدرها مركز سلطان بن زايد.

تنزيل المقالة بصيغة pdf

الخلاصة:

عند دراسة الأعمال الفنِّيَّة الكبيرة والآثار العظيمة عبر التاريخ، كالأهرامات والتماثيل الأثريَّة من الحضارات الأخرى، ولوحات بعض الفنَّانين الكبار، وكذلك عند البحث في سرِّ الجمال في الجسم والوجه والنفس، وفي الأزهار والأشجار، بل وحتى في تشكيلات الكواكب والنجوم والمجرَّات؛ ينتج معنا في النهاية رقم واحد يتكرَّر على جميع هذه المستويات المختلفة: وهو الرقم 1.618، ويُسمَّى بالنسبة الذهبيَّة، حتى كأنَّ الكون بأسره قد رُسم بالفرجار وفق هذه النسبة الرياضية الخاصة. ولا شكَّ أنَّ هذا يدلُّ على أنَّ جميع هذه المخلوقات، على كثرتها واختلافاتها وتعقيداتها، ل بدَّ أن يكون لها أصلٌ واحد يجمع بينها جميعاً، وهو السبب وراء بروزها بهذه الأشكال المتوافقة مع هذه النسبة العددية، وهذا يدلُّ أيضاً على وحدانية وقدرة الخالق سبحانه وتعالى، الذي أبدع هذا الكون بما فيه من جميع المخلوقات المعقَّدة والمتداخلة.

 

تعريف النسبة الذهبية:

يُعدُّ الفلاسفة الإغريق أوَّل من ربط الفنون بالرياضيات عن طريق علم هندسة الأشكال، ومنه بدأ الاهتمام بالنسبة الذهبية، حيث بدأ اليونانيون تأسيس معابدهم ومعالمهم العمرانية الكبيرة على أساس هذه النسبة. بَيدَ أنَّ الدراسة الهندسية للأهرامات المصرية، ولتمثال رمسيس، وتمثال نفرتيتي، وكذلك الآثار المختلفة للحضارات السومرية والبابلية في بلاد ما بين النهرين؛ تُظهر أيضاً إدراكهم العميق لدور هذه النسبة في علم الجمال وهندسة البناء. لكنَّ إقليدس هو أوَّل من أشار بشكل واضح إلى هذه النسبة، وسماها بالنسبة النهائية أو النسبة المتوسطة. وقد وجد فيثاغورس أنَّ هذه النسبة مريحة للبصر وتُشكِّل أحد أهم معايير الجمال في الطبيعة، حيث يقول: "إن كلَّ شيء في الطبيعة خاضع لقوانين التناسق، كذلك فإن الإنسان يشعر أنَّ الجمال يرتكز على قوانين التناسُب، وإن الطبيعة المتناسبة إنما تُفصح بتشكيلاتها عن جمال أعمق من الجمال الظاهري، أي عن جمال الحقيقة المكنونة في تنوعاتها كلِّها. ولا شكَّ أن شعور الإنسان بالجمال يعكس بُنْية الإنسان نفسها القائمة على قوانين التناسق الطبيعية، وبالتالي فإنَّ وعي الإنسان هو، في جوهره، فعل تناغم مع الطبيعة".

تتحدَّد النسبة الذهبية عندما تكون النسبة بين طول (أ) إلى طول (ب) تُساوي النسبة بين طول (أ+ب) إلى طول (أ)، كما هو موضح في الشكل المرفق:

فعندما تتحقق هذه النسبة تكون نسبة (أ) إلى (ب) تساوي: 1.618، ويُرمز لها بالحرف φ (ويُقرأ فاي phi)، ويُلاحظ أنَّ:

1/φ = φ -1 = 0.618

وكذلك يمكن أن نكتب:

φ2= φ +1 = 2.618

 

متتالية فيبوناتشي:

كان عالم الرياضيات الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي أوَّل من أدخل الأرقام العربية والنظام العشري إلى أوربا في القرن الثاني عشر، وذلك بعد أن درس الرياضيات في بلاد الشام على بعض العلماء المسلمين. اشتهر فيبوناتشي من خلال متتالية الأعداد التي تتقارب نسبتها مع النسبة الذهبية، حيث يكون فيها كلُّ عدد يساوي مجموع العددين اللذين قبله، وهي تبدأ من 0 ثم 1 ثم 1=1+0، ثم 2=1+1 ثم 3=2+1 ثم 5=3+2، 8=5+3، 13=8+5، 21=13+8، 34، 55، 89، 144، 233، 377، وهكذا كلُّ عدد يساوي مجموع العددين السابقين، وكما نلاحظ فإنَّ هذه الأعداد تتزايد بسرعة كبيرة.

وبإجراء عملية حسابية بسيطة يمكن أن نرى أنَّ نسبة أيِّ عدد من هذه المتتالية على العدد الذي يسبقه تتقارب من النسبة الذهبية، وتزيد نسبة التقارب بشكل كبير عندما نأخذ الأعداد الكبيرة في هذه المتتالية.

 

تجليات النسبة الذهبية في الطبيعة:

يمكن تمثيل متتالية فيبوناتشي بشكل هندسي من خلال رسم مربعات متتالية بشكل حلزوني، كما هو موضح في الشكل التالي:

 

وكما نلاحظ فإنَّ هذا الشكل الحلزوني يتجلَّى في الطبيعة على مستويات كثيرة، مثل دروع بعض الرخويات:

 

والأعاصير:

 

وبعض النباتات:

 

وحتى المجرَّات:

 

وقد تبيَّن كذلك أنَّ لهذه المتتالية دور مهم في تحديد شكل نموِّ الكثير من النباتات، حيث أنَّ أكثر الزهور في الغالب لها بتلات تتناسب مع أرقام فيبوناتشي، بل وحتى التطورات الاقتصادية وتقلبات الأسهم وسوق الأوراق المالية ترتبط بها بشكل وثيق كما هو معروف لدى خبراء التجارة والأسواق العالمية.

أما في مجال الموسيقى فقد نجح الموسيقيون ومؤلفو السمفونيات في الحصول على جمل موسيقية رائعة، وذلك عن طريق جعل ضغطات مفاتيح الآلات (مثل البيانو) تجري وفق تباعد رياضي ثابت متناسب مع متتالية فيبوناتشي. وكذلك في تصميم العمارات والديكورات وقطع الآثاث والأدوات؛ كثيراً ما تُراعى النسبة الذهبية إما بشكل مقصود أو بشكل عفوي تلقائي. كما أنَّ أشهر المساجد في العالم الإسلامي، كجامع القيروان، روعيت فيه تلك النسبة، وينطبق الأمر نفسه على عموم الفن التشكيلي والعمراني، وجميع مجالات التصميم والديكور.

 

النسبة الذهبية في الإنسان:

تتجلَّى النسبة الذهبيَّة بشكل واضح في بنية جسم الإنسان عموماً، والوجه بشكل خاص؛ فالمسافة بين كتف الإنسان وأصابع يده، وبين المرفق وأصابع اليد، وبين الرأس والقدم، كلُّ ذلك يتعلق بشكل مباشر مع هذه النسبة. كما أنَّ السرَّة تقسم جسم الإنسان الى قسمين وفق هذه النسبة، سواء من حيث المسافة أو من الوزن، وكذلك المسافة من السرة الى قمة الرأس، ومن السرة إلى الركبة ثم القدمين، ومن الكتف إلى أطراف أصابع اليد، ومن الحنك والشفة السفلى إلى الأنف والشفة العليا.

 

لذلك فإن من أهم المقاييس في تحديد ملكات الجمال هي مراعاة هذه النسبة الذهبية في تقاسيم الوجه ولياقة الجسم، كما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمْ﴾ [التين ï؟½ 4].

Related image

 

النسبة الذهبية في موقع مكَّة المكرَّمة:

لقد ورد اسم مكَّة المكرَّمة في القرآن الكريم مرَّتين، الأولى في قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96]، والثانية في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً) [الفتح: 24]. ونعلم أنَّ بكَّة هي البيت الحرام، بينما مكَّة هي ما حوله. وبالتالي نجد أنَّ الآية الأولى تحدِّد النسبة الذهبية لبكَّة بشكل صريح من خلال موقع كلمة بكَّة في هذه الآية التي يبلغ عدد حروفها 47 حرفاً (مع حساب الحروف المشدَّدة)، ومن بداية الآية إلى نهاية كلمة (ببكة) هناك 29 حرف (مع حساب الحروف المشدَّدة)، فنجد أنَّ حاصل ضرب النسبة الذهبية 1,618 مع العدد 29 هو 47، وهو عدد حروف هذه الآية 96 من سورة آل عمران. هذا من حيث الكتابة والحروف، ومن حيث التلاوة فقد أجرينا مقارنة عشوائية بين عدد من القرَّاء المشهورين فوجدنا أن موقع لفظ كلمة "بكة" في الآية يتناسب بشكل تقريبي مع النسبة الذهبية كما هو موضح في الجدول، على الرغم من اختلاف طريقة التلاوة والتجويد.

 

القارئ

طول الآية بالثواني

الزمن حتى كلمة "بكّة"

النسبة

العجمعي

16

10

1.600

عبد الباسط مرتل

16

10

1.600

عبد الباسط مجود

20

12

1.667

الحذيفي

11

7

1.572

الطبلاوي

13

8

1.625

المنشاوي

15

9

1.667

المجموع

91

56

1.625

 

وأما من الناحية الجغرافية، فتقع مكَّة المكرَّمة على خط عرض يساوي 21.4225 شمال خط الإستواء، وخط طول يساوي 39.8261 شرق غرينتش، أيï؟½ 111.4225 شمال القطب الجنوبي، و 219.8261 غرب غرينتش، ونعلم أنَّ المسافة العرضية بين القطبين هي 180 درجة، ومحيط الكرة الأرضية هو 360 درجة. بالتالي نجد في نسبة خط العرض: المسافة بين القطبين \ بُعد مكة المكرمة عن القطب الجنوبي = 180\111.4225 = 1.616، وفي نسبة خط الطول: المسافة حول العالم \ بُعد مكة المكرمة عن خط غرينيتش = 360\219.8261 = 1.638. وكذلك نجد أنَّ: بُعد مكة المكرمة عن القطب الجنوبي \ بُعد مكة المكرمة عن القطب الشمالي = 111.4225\68.5775 = 1.6248.

فسبحان الله الذي أحسن كلَّ شيء خلقه، وخلق الإنسان وصوره على أحسن تقويم، وأبدع الوجود الطبيعي بما فيه من أشجار وأزهار ونباتات مختلفة، وجبال وسهول ووديان، وكواكب ونجوم ومجرات؛ يتجلى الجمال الطبيعي في جميع ذلك على جميع المستويات. ولو كانت الأبعاد المختلفة بين أجزاء هذه المخلوقات متناسبة بشكل بسيط مع الأعداد، لكان الجمال متماثلاً ومملا، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل هذه النسبة عدداً كسريًّ مركباً، بحيث يُعطي هذا التناسب تنوعاً لا يكاد يتكرر في تفصيلاته، مع المحافظة على التناسق الدقيق والتلاؤم العام بين الأجزاء، وهو ما يجعل هذا الجمال الطبيعي طيفاً لطيفاً ليس له نهاية، وتندرج فيه جميع التفاصيل الصغيرة والكبيرة، حتى أنّ الناظر في الكون والطبيعة، والمتأمل فيهما، يُدرك أنواعاً غير متناهية من الجمال على جميع المستويات التي لا يستطيع إحصاءها، فلا يبقى له إلا الحيرة والخضوع والتسليم للخالق المبدع العظيم.


 

Message from the Author:

I have no doubt that this is the most significant discovery in the history of mathematics, physics and philosophy, ever!

This unique understanding of geometry will cause a paradigm shift in our knowledge of the fundamental nature of the cosmos and its corporeal and incorporeal structures.

Enjoy reading... , all the Best !

Mohamed bin Ali Haj Yousef



The science of Time is a noble science, that reveals the secret of Eternity. Only the Elites of Sages may ever come to know this secret. It is called the First Age, or the Age of ages, from which time is emerging.
Ibn al-Arabi [The Meccan Revelations: Volume I, page 156. - Trns. Mohamed Haj Yousef]

Ibn al-Arabi Website:


The Meccan Revelations:


The Sun from the West:


عربي Arabic

Social Sharing

Like Our Facebook Page:
SINGLEMONAD

Like Our Facebook Page:
IBNALARABICOM


Like this Page on Facebook:

Select any TEXT to Tweet it!

The Moving Finger writes; and, having writ,... Moves on: nor all thy Piety nor Wit, shall lure it back to cancel half a Line. Nor all thy Tears wash out a Word of it.
Omar Khayyam [- - trns. Edward Fitzgerald]
quote